بعد ساعة أو أقل قليلا..

الاثنين 2013/12/09

يبدو أنّ بلوغ مفهوم واضح للشعرية، سواء سلكنا فيه، أو لم نسلك، سبيل مقولات أرسطو وحازم القرطاجنّي والشكلانيين الروس وعَرّابهم الثقافي بأوروبا تزيفيتان تودوروف وغير هؤلاء من علماء التنظيرات الأدبية، يظلّ أمرا صعب المنال على وفرة ما نلفي فيه من اجتهادات فكرية حديثة.

ولذا، فإنّ الرأي عندنا هو أنّ شعرية أشياء هذا الكون، وحتى شعريّات ما هو كائن خارجه، لا تنهض فقط على "أدبية" أشكالها وأساليبها على حدّ أقوال هؤلاء المنظِّرين، وإنما ينهض جانب منها على مبدأ التكثيف والاختزال، أو ما يمكن أن نستعير له تسمية "التخسيس"، وترتهن في استمرار حراكها الزمني لقانون الندرة، لأن كثرة الموجود تدخله دوما في خانة غير المنشود حتى قيل: مَن أَكْثَرَ أَهْذَر، كما أنّ الهَذَر واللغوَ البشريَيْن لا ينتعشان إلا في الفضاء العاديّ والاستهلاكيّ، ولا يكون لهما شأن إلاّ في العموميّ والمألوف والمفتوح والوقتيّ، ومن ثمة لا يحتازان لهما في كلّ تلك الأفضية على أيّ سبب من أسباب الخلود، ويذهبان دائما أدراج الريح.

التخسيس سرّ الجَمال إذن، وإذن، فالتكثيفُ مِن الجَمال عمادُه. فالقصيدة الحديثة الرائقة، هي تلك التي تخترق جسد الكون لحما وشحما لتحفر في دَلالاته وتذيبها في رشّة قول مقدود يتجلّى فيه الرمز ويختفي في الآن نفسه، وينفتح فيه المعنى على غيره دون أن يرادفه أو يجافيه، فيتنامى معه التنوّع القرائي وتتّسع آفاقه.

ذلك أنه بعد أن قطعت القصيدة الحديثة مع بِنية "قِفا نبكِ"، وتخلّصت مما كان محمودا في سالفتها من حشوٍ وزخرفة جعلت العرب يقولون بـ"بيت القصيد" في إحالة منهم ضمنية إلى أنّ هناك بيتا واحدا في القصيدة يتوفّر على الشعريّة وما عداه منها يدخل في باب شحم التنميق، صارت تعتني بنفسها شكلا ومعنى، وأصبح لها ولع بفنّ التخسيس اللغويّ حتى صرنا لا نكاد نعثر في قصيدة الشاعر جميعها على جملة واحدة مفيدة.

المرأة الجميلة هي تلك التي تجمع كلّ فتنتها، في الثامنة صباحا إلا رُبُعًا، وتصبّها في نصف التفاتة ماجنة وسط شارع مأهول بالرجال، فتُربك مفاصلَ الشارع وتُزلزل حياءَ الرجال، فيموء قط هنا ويتكسّل جروٌ هناك، وتفزع عصافير خضراء وتطير من رؤوس أشجارها، ويتذكّر جنديّ يحرس مبنى حكوميًّا وقتَه المهدور في حبّ الوطن وعمرَه الفارغَ من حُبّ حوّاء.

الموت الجميل (هذا الذي نكتبه الآن ولا ندري بأيّ أرض نجرِّبَه) هو ما يباغت صاحبه في زمن سهوِه، فينصبّ عليه انصبابة خسيسة، لها فعل الخدر، فلا يخرج منها إلا وهو خارج من عالم الدنيا إلى عالم السماء، تاركا خلفه نسلَه وأمواله وعداواته للآخرين.

وإن صدق القول بأنّ الشعريّةَ، وسرّ جَمالها، في التكثيف والاختزال والتخسيس، فما حظّنا منهما والواحد منا "لا يأكل حتى يجوع، وإذا أكل فلا يشبع"؟ ثمّ هل يجوز الحديث عن شعريّة الحياة في أمّة يأتي أفرادها كالجراد على كلّ ما يقع بين أيديهم من محبّات وثورات وثروات وعلاقات، ويزدردونه أو يبتلعونه لقمة وراء أخرى بلا مضغ كأن الدنيا ستفنى بعد ساعة أو أقلّ قليلا؟

14