بعد ستة عقود.. جروح الحرب لم تندمل لدى الفرنسيين من أصول جزائرية

اعتذار فرنسا عن الحرب قد يخفف من حدة التوتر في العلاقات بين باريس والجزائر.
الخميس 2021/01/21
ذكريات لا يمحوها الزمن

باريس – لم يستطع الفرنسيون من أصول جزائرية نسيان معاناة الحرب رغم مرور ستة عقود على انتهائها، فثمة أضرار كبيرة والكثير من الأسئلة لدى جيل بأكمله، لم ترد عليها بعد روايات الأجداد الذين شهدوا عنف الحرب لكنهم يلوذون بالصمت في غالب الأحيان.

وتقول ليلي بوقروي (35 عاما) وهي ابنة حركي مقيمة في جنوب غرب فرنسا إن العمل على ذاكرة حرب الجزائر تأخر كثيرا، موضحة “نحن في العام 2021 ولا نزال نتحدث عن هذا الأمر ولا نزال نحاول القيام بما كان ينبغي القيام به قبل 40 عاما”.

وتحضر الجزائر في الذكريات العائلية للملايين من الأشخاص في فرنسا ولفرنسيين كانوا مقيمين في الجزائر واضطروا إلى مغادرتها وحركيين وهم جزائريون حاربوا في صفوف الجيش الفرنسي، أو مهاجرين جزائريين.

والأربعاء، تسلّمت الرئاسة الفرنسية تقريرا حول استعمار الجزائر أعده المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا، وقالت على إثره إنها تعتزم القيام بـ”خطوات رمزية” لمعالجة الملف، لكنها لن تقدم “اعتذارات”، في خطوة قد تزيد من توتر العلاقات بين باريس والجزائر.

واقترح المؤرخ الفرنسي الذي قام بالتحقيق على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تشكيل لجنة “ذاكرة وحقيقة” تُكلف بطرح “مبادرات مشتركة بين فرنسا والجزائر حول قضايا الذاكرة”، بهدف تحقيق تصالح بين ضفتي المتوسط.

وعندما كلف ماكرون ستورا بإعداد تقرير بهذا الخصوص، أوضح الرئيس الفرنسي أنه يريد “إنجاز العمل التاريخي حول حرب الجزائر”، مضيفا أن الذكريات المرتبطة بهذا النزاع “هي جروح” مفتوحة.

وترى المحللة النفسية كريمة لازالي صاحبة كتاب حول الموضوع أنّ “الجرح يحلل فقط لدى الآخر الذي تعرض للاستعمار، لكن ليس في صفوف سكان (البلد المستعمِر) إطلاقا. وقد ألحق ذلك الكثير من الأضرار في نفوس أبناء المهاجرين”.

مداواة الذاكرة

عودة رفات المقاومين الجزائريين لاقت ترحيبا كبيرا
عودة رفات المقاومين الجزائريين لاقت ترحيبا كبيرا 

يلتزم الأجداد بالصمت حيال ذكريات الحرب المؤلمة، لكنّ صمتهم لا يخفي آلامهم الدفينة مما يبعث في نفوس أحفادهم الفضول لمعرفة ما حملته الحقبة الاستعمارية من معاناة.

وتقول دنيا وحيد (24 عاما) وجداها لأمها جزائريان، إن الانتقال إلى سن الرشد يحمل تساؤلات حول هذه الذاكرة المدفونة. وتوضح “مع النضج بدأت بطبيعة الحال أطرح أسئلة حول ما حصل وأرغب أن أعرف المزيد عن تاريخي”.

لكنّ جدها وجدتها اللذين انتقلا للإقامة في وسط فرنسا بعد الحرب بحثا عن عمل، يلزمان الصمت حيال هذه المسألة.

وتؤكد “عائلة أمي لا تطرح الموضوع بتاتا، وللمفارقة والدي وهو مغربي هو الذي يطرح الأسئلة”.

والرهان مزدوج بالنسبة لكريمة لازالي، فكسر جدار الصمت أساسي لكن ينبغي أيضا “اجتثاث الاستعمار من الذهنيات” في بلد يضم وفق تقرير ستورا مليوني شخص جزائري أو من أصول جزائرية.

ويرى مهند بنشريف (32 عاما) وهو صاحب شركة، وحارب والده في صفوف الجيش الفرنسي قبل مغادرته الجزائر في 1963، أن تقديم الدولة الفرنسية لاعتذارات أمر لازم، إلا أن فرنسا استبعدت ذلك.

ويقول هذا الفرنسي من أصل جزائري الذي ولد في ضاحية باريس إن “الناس لا يطالبون بتعويض بل باعتراف”، موضحا أنه لا يريد "سوى اعتذارات لننتقل إلى شيء آخر. على فرنسا أن تقدم اعتذارا لأنها لم تكن بمستوى القيم الفرنسية".

ويقارن هذا الشاب الثلاثيني المصالحة الفرنسية - الألمانية التي احتاجت إلى “نحو عشر سنوات”، بتلك التي لم تنجز بعد بين فرنسا والجزائر “ولا نزال بعيدين عنها”.

وتقول المحللة النفسية “الفرنسيون من أصول جزائرية يتأثرون بالجوانب الآنية الباقية من هذه القضية، ويتساءلون عن مكانهم في الجمهورية، لأنه ما إن تطرح مسألة الاندماج والحجاب حتى نعود إلى الكلام نفسه الذي كان مستخدما في الحقبة الاستعمارية”.

وفي يوليو الماضي، استعادت الجزائر رفات 24 من قادة المقاومة الشعبية ضد الاستعمار الفرنسي في القرن التاسع عشر، وذلك بعد مفاوضات بدأت عام 2016. 

وأجمع الجزائريون على أن استعادة رفات رواد المقاومة الشعبية، يعد “إنجازا للذاكرة الوطنية وخطوة في طريق التسوية التاريخية بينهم وبين الفرنسيين فيما يتصل بالحقبة الاستعمارية (1830- 1962)”

عملية شاقة

ماكرون يرفض الاعتذار الفرنسي للجزائر
ماكرون يرفض الاعتذار الفرنسي للجزائر

وترى ليلى بوقروي، التي وصل والدها إلى معسكر الحركيين في بيرجوراك (جنوب غرب فرنسا) في يونيو 1962 من بين نحو 60 ألف حركي نقلوا إلى فرنسا، أن الضغينة لا تزال قائمة.

وتوضح “أراد والدي أن يبعدنا عن كل هذه الأمور، ولم يجعلنا نشعر بأي شيء، لكن مع تقدمي في السن أدركت أن ما حصل لهم لم يكن عادلا”.

وفي ختام هذه الحرب التي اتسمت بالفظائع والتعذيب وألحقت صدمة كبيرة في المجتمعين الفرنسي والجزائري، تخلت فرنسا عن الحركيين الآتين في غالب الأحيان من أوساط فلاحية ومتواضعة، رافضة استقبالهم بأعداد كبيرة فوقع عدد منهم ضحية عمليات انتقام في الجزائر.

ومر الذين نقلوا منهم إلى فرنسا عبر معسكرات كانت الظروف فيها صعبة جدا.

وفي إطار المصالحة، دعا تقرير ستورا إلى مبادرات رمزية قوية حول تشارك أرشيف الحقبة الاستعمارية أو مسألة المفقودين خلال الحرب.

وهذه العملية متواصلة بصعوبة منذ نهاية النزاع في 1962. وترى كريمة لازالي أنها لن تنجز “ما لم يتم إشراك كل الأطراف فيها. لا نخرج من 130 عاما من تاريخ فظيع مع نهاية سعيدة”.