.. بعد سقوط المشروع الإخواني في مصر

الجمعة 2014/01/31

إذا أخذنا في الاعتبار ما تعرّضت له مصر خلال السنوات القليلة الماضية، خصوصا في ظلّ حكم الإخوان وما فعلوه بالمؤسسات، يمكن القول أن أعجوبة حصلت فعلا. فعلى الرغم من كلّ الجهود التي بذلت من أجل تعطيل الحياة في مصر، وضرب الأجهزة الأمنية خصوصا، كي يصبح البلد مباحا، بقيت مصر صامدة. أكثر من ذلك، سيكون لديها رئيس منتخب قريبا. هذا لا يعني رفض الاعتراف بأنّ مصر ما زالت تتعرّض إلى الآن لهجمة كبيرة شملت، بين ما شملت، اغتيال شخصيات أمنية معيّنة وسلسلة من التفجيرات استهدفت مواقع حسّاسة ومواجهات مع قوّات الأمن.. وصولا إلى خطف دبلوماسيين لها في ليبيا.

كيف يمكن تفسير الحجم الضخم للهجمة على مصر؟ الجواب بكلّ بساطة أن المشروع الإخواني سقط في مصر. كان سقوط هذا المشروع فيها مؤشرا إلى سقوطه في كلّ المنطقة. ولذلك نشهد حاليا هذا التركيز الإخواني على مصر وعلى شعبها وعلى كلّ مدينة مصرية. ستزداد الحملة على مصر. إنّها حملة الاخوان ومن يقفون خلفهم من عرب وغير عرب في الوقت ذاته.

هناك من خطف “ثورة الخامس والعشرين من يناير”. معروف من خطف الثورة ومن يحاول إعادة خطفها في ذكراها الثالثة. من خطف الثورة ومن يحاول إعادة خطفها هم الإخوان المسلمون الذين يسعون إلى تسويق نفسهم على طريقة النظام السوري. فالنظام السوري الذي يدّعي علمانيته في سوريا ويدعم ميليشيا مذهبية في لبنان، هو نفسه الذي يدعم “داعش”، أي “القاعدة”. هذا النظام يخلق “إرهابيين” من أجل الظهور، أمام العالم، في مظهر من يحارب الإرهاب والتطرف في المنطقة وداخل سوريا نفسها.

في مصر يتعمّد الإخوان اختلاق أسماء لمنظمات، مثل «جماعة أنصار بيت المقدس» ثمّ يدّعون أن لا علاقة لهم بها، فيما تعلن هذه المنظمات مسؤوليتها عن التفجيرات وعن مهاجمة رجال الأمن. هذه لعبة قديمة عفا عنها الزمن لم تعد تمرّ على المصريين، بل قد تمرّ على بعض من في إدارة أوباما، من الذين لا يعرفون شيئا عن حقيقة الإخوان، ولا يريدون أن يعرفوا شيئا عنهم.

ليست صدفة أن تدّعي تلك المنظمات، التي هي جزء لا يتجزأ من تنظيم الإخوان، مسؤوليتها عن هذا العمل الإرهابي أو ذاك. كلّ ما هو مطلوب يتمثّل في تقديم الإخوان نفسهم بأنّهم يمثلون الإسلام المعتدل، في حين أن كلّ تطرف ولد من رحم هذا التنظيم. من أين بدأ أسامة بن لادن.. ألم يبدأ من مدرسة الإخوان كاشفا في نهاية المطاف طبيعة هذه المدرسة وما تؤمن به حقيقة؟

فوجئ الإخوان بوعي الشعب المصري الذي نزل إلى الشارع بالملايين في الثلاثين من يونيو 2013 وأسقط محمّد مرسي. فوجئوا أيضا بأن المؤسسة العسكرية كانت لهم بالمرصاد، وأنه لا يمكن أن تتهاون مع خطف الثورة التي يتبيّن كلّ يوم أنها كانت نتيجة صيغة تفاهم أمكن التوصل إليها يوم 28 يناير 2011 لتفادي إزهاق الدمّ.

حصل تفاهم على تنحي حسني مبارك عن الرئاسة بضغط من العسكر، في مقابل إقامة حكم مدني فيه تعددية حزبية حقيقية وليس حكما يمكّن الإخوان من السيطرة على مؤسسات الدولة الواحدة تلو الأخرى.

اعتقد الإخوان أن في استطاعتهم التذاكي على المؤسسة العسكرية والتحايل عليها وعلى الشعب المصري الذي وقف خلف هذه المؤسسة بعدما تبيّن له أن هناك خطة مدروسة لنشر الفوضى في كلّ الأراضي المصرية. كانت العمليات الإرهابية في سيناء جانبا من هذه الخطّة التي استهدفت، من بين ما استهدفت، إلهاء الجيش المصري وجعله يخوض معارك مع مجموعات مسلّحة في سيناء تدعمها مباشرة «حماس» التي أقامت “إمارة اسلامية” على الطريقة الطالبانية في قطاع غزّة.

تعطي أحداث الأيام القليلة الماضية في مصر، خصوصا استهداف المراكز الأمنية في القاهرة والمدن الكبيرة الأخرى، فكرة عن المدى الذي يمكن أن يذهب إليه الإخوان في مجال زعزعة الأمن والاستقرار. أكثر من ذلك، تعطي طبيعة هذه الاعتداءات فكرة عن حجم التحديات التي تواجه مصر، فضلا عن العداء الذي يكنّه لها أولئك الذين يعتبرون أنفسهم متضررين من سقوط المشروع الإخواني من المحيط إلى الخليج.

ما سقط في مصر لم يكن سقوطا للمشروع الإخواني فيها فقط. سقط أيضا المشروع الإخواني في تونس وليبيا واليمن وفي كلّ بقعة عربية أخرى، بما في ذلك الأردن حيث ملك شجاع اسمه عبدالله الثاني رفض، منذ البداية، ابتزاز الإخوان. سقط حتى في قطاع غزة حيث لا أفق سياسيا من أي نوع لحكم الإخوان عن طريق فرعهم الفلسطيني المسمّى «حماس». هذا الفرع موجود في السلطة حاليا لأنّ إسرائيل تريد ذلك. فإسرائيل تعرف مدى الضرر الذي تلحقه «حماس» بالقضية الفلسطينية، كما أنها على علم تام بالدور الذي تلعبه في مجال إيذاء المؤسسة العسكرية المصرية التي تحوّلت إلى ضامن لوحدة مصر والمحافظة على تماسك المجتمع فيها.

ما تكشّف في نهاية المطاف أن مصر فاجأت الذين كانوا يدعمون هذا المشروع الإخواني بالمال والسلاح، وعن طريق رجال دين نذروا حياتهم في خدمة التخلّف بكلّ أنواعه. رجال الدين هؤلاء ليست لهم الجرأة حتى أن ينظروا إلى المرآة خشية أن يروا بشاعتهم التي تحوّلت عقدة العقد بالنسبة إلى كلّ منهم.

تبيّن في الوقت ذاته أنّ كلّ عربي دعم مصر في محنتها إنّما هو رجل صادق مع نفسه ويدافع عن نفسه قبل كلّ شيء آخر. كذلك، هو يدافع عن إمكان إيجاد فسحة أمل لمصر. فسحة الأمل هذه يمكن أن تتيح للدولة العربية الأهمّ استعادة دورها على الصعيد الإقليمي، خصوصا في السودان وليبيا وفي دول المشرق، على رأسها سوريا ولبنان، حيث الغياب المصري، وحتى العربي، أكثر من واضح منذ فترة طويلة.

فوق ذلك كلّه، تبدو مصر التي حاولت إيران استمالتها واختراقها عبر الإخوان، المشروع العربي شبه الوحيد الذي يمكن الرهان عليه. يمكن الرهان عليه، لا لشيء سوى لأنّ مصر المعافاة تستطيع التأثير إيجابيا في كلّ بلد عربي.

ما تمرّ به مصر يعطي فكرة عن المخاض الذي تمرّ به المنطقة كلّها. فإنقاذ مصر إنقاذ للمنطقة، خصوصا أنّ أكثر ما يعاني منه العرب في هذه المرحلة هو الفراغ… في فترة لا تتحمّل الفراغ.


إعلامي لبناني

8