بعد عقد من الغياب محفوظ مازال في الطليعة

تشهد مصر هذه الأيام شأنها شأن بقية الدول العربية احتفاء بذكرى عشر سنوات على رحيل كاتبها الساحر نجيب محفوظ، الكاتب العربي الوحيد الذي نال جائزة نوبل للآداب، احتفاء لا يتوقف عند القراء ومكونات الساحة الأدبية فحسب بل وأيضا في السينما والدراما اللذين مازال محفوظ بالنسبة إليهما المعين الذي لا ينضب.
الثلاثاء 2016/08/30
كاتب يرافق الواقع إلى القارئ

مرت عشر سنوات على رحيل الكاتب العربي الأشهر والأكثر رسوخا في ذاكرة القراء والساحة الأدبية، عشر سنوات لم يخب فيها اسم الكاتب المصري نجيب محفوظ، ليس ككاتب عربي وحيد نال جائزة نوبل للآداب فقط، بل كتجربة أدبية غزيرة لها ثقلها العالمي وخصوصياتها، كما دخلت أعمال محفوظ عالم السينما والدراما من الباب الواسع، حيث استلهمت الكثير من الأعمال المصورة من رواياته مثل “اللص والكلاب” و”بين القصرين” وغيرهما من المرويات التي بات أغلبها أيقونات يعرفها القاصي والداني. هذه التجربة الأدبية كان ومازال لها من الثراء ما مكن محفوظ من أن يكون الأديب العربي الأبرز لعقود مازالت متواصلة حتى بعد هذه السنوات من رحيله.

راسخ رغم الزمن

مازالت كتب وأعمال نجيب محفوظ حاضرة بقوة، فهو أكثر الكتاب العرب مبيعا ورواجا، ولا أدل على هذا من أن مؤلفاته تعاد طباعتها إلى يومنا هذا في نسخ جديدة كل مرة لا تلبث فيها أن تنفد من السوق، فجميع القراء يسألون عن رواياته ومجموعاته القصصية في المكتبات باستمرار، كما مازالت تُستلهم أعمال درامية وسينمائية من كتاباته حتى بعد رحيله.

قبل شهر أو يزيد قليلا، أعادت “دار الشروق” المصرية (صاحبة حقوق الملكية الفكرية لكل إنتاج محفوظ) طباعة ثلاث طبعات متتالية من رواية نجيب محفوظ «أفراح القبة» التي نشرها في العام 1981، وبعد خمسة وثلاثين عاما، أعاد المسلسل الدرامي المأخوذ عنها مؤخرا الاهتمام بالرواية، وتنامى الإقبال على شراء الرواية وقراءتها بمعدلات غير مسبوقة، كما تعالت النداءات باستمرار استلهام أعمال محفوظ في الإنتاج الدرامي بعد النجاح الكبير الذي لقيه المسلسل، مما حدا بصناع مسلسل “أفراح القبة” إلى التفكير جديا في أن يكون عملهم القادم عن قصة لنجيب محفوظ.

وقد أكدت مصادر مقربة من الشروق للإنتاج الفني، أن المنتجين هم فعليا بصدد الإعداد لمسلسل جديد سيعرض في رمضان القادم عن أحد أعمال محفوظ، وكشفت أن هناك خمس روايات تتم قراءتها بعناية لاختيار واحدة منها، أبرزها حتى الآن «المرايا»، و«ليالي ألف ليلة»، على أن يتم إسناد كتابة السيناريو والحوار والمعالجة الدرامية لواحد من الكتاب الشباب.

ميزة الكاتب لا نجدها عند غيره من الكتاب، الذين لم ينجحوا في ربط جسور مع قراء مختلفين مثله

ومن جهتها، شرعت دار الشروق في الاحتفال بذكرى نجيب محفوظ على طريقتها، وقامت بتوفير طبعات جديدة من معظم أعماله في كل مكتباتها، ووفرت أيضا طبعات جديدة من أعماله الكبرى التي يكثر الطلب عليها طول الوقت مثل «أولاد حارتنا»، «الحرافيش»، «الثلاثية/ بين القصرين – قصر الشوق – السكرية»، «اللص والكلاب»، «ثرثرة فوق النيل».. وغيرها. كما قامت الدار بتنظيم مسابقة يومية تدور حول سيرة نجيب محفوظ وأشهر شخصياته الروائية طيلة شهر أغسطس، لتعريف القراء الجدد من الناشئة والشباب بأديب نوبل وأعماله.

لم يؤثر الزمن في قيمة أعمال نجيب محفوظ، التي مازالت تحظى برواج كبير سواء عند جمهور القراء أو عند المشتغلين في الدراما والسينما، حيث إلى يومنا هذا تستلهم أعمال الأديب في السينما والدراما المصرية والعربية، ويجعلنا هذا أمام تساؤل ملح: ما الذي جعل من أعمال نجيب محفوظ، على خلاف غيره من الأدباء العرب، تحافظ على بريقها ومكانتها في واجهة الساحة الأدبية؟

مرافقة الواقع

تمكن نجيب محفوظ منذ بداياته في كتابة القصة القصيرة في ثلاثينات القرن الماضي من أن يتلمس له طريقا أدبيا خاصا، تطور خاصة مع ثلاثيته التي تتناول حقبة الفراعنة في نفس تاريخي حافظ على التمشي الواقعي “كفاح طيبة ورادوبيس”. وقد بدأ الكاتب إثر ذلك منذ خمسينات القرن الماضي بإيجاد نمطه الخاص ألا وهو الواقعية وهو المسار الأدبي الذي اختاره لنفسه منذ روايتيه “القاهرة الجديدة” و”خان الخليلي” والذي انتهجه طيلة مسيرته الأدبية الحافلة، لكن محفوظ نوّع في نمط كتاباته ليجرب الواقعية النفسية في رواية “السراب”، ثم عاد إلى الواقعية الاجتماعية مع “ثلاثية القاهرة”، ليكتب في ما بعد روايات رمزية مثل روايته “الشحاذ”.

أعمال سينمائية مهمة مستلهمة من كتابات محفوظ

ترسّخ اسم نجيب محفوظ ككاتب عالمي ليس بسبب نيله نوبل للآداب سنة 1988 فحسب، بل ككاتب عبقري برع في التعبير عن خفايا المجتمع المصري، خفايا الأمكنة والأزقة والحارات والحقول، وخفايا الأنفس من خلال شخصيات عميقة مثل بطل روايته الشحاذ عمر الحمزاوي أو شخصية سي السيد أو شخصية سعيد مهران، وغيرها من الشخصيات التي اختلفت بيئاتها وشرائحها، لكنها مجتمعة تمثل مسحا دقيقا للزوايا المعتمة والمجهولة من المجتمع المصري بدرجة أولى والعربي بدرجة ثانية والإنسان بصفة عامة.

كما برع نجيب محفوظ في أن يجعل من عصره مادة روائية عابرة للزمن فعلاوة على اعتماده للشخصيات والأماكن والأزمان المختلفة في مشروعه الروائي المختلف، شكل الكاتب أحداث رواياته من لحم ودم الواقع، أي أحداث حيّة لا تكاد تدخل عوالمه السردية إلا وتحس بأنك بصدد عالم حقيقي، بشر حقيقيين وصراعات حقيقية، كل ذلك برع فيه محفوظ بعبقرية لافتة، مكنته من أن يكوّن عالما سلسا، يمكن للقارئ تناوله مهما كان مستواه، ولكنه يوفر في نفس الوقت لكل قارئ زاوية ليقرأ من خلالها العمل الذي ينحته محفوط في طبقات بداية بالقصة الواضحة المعالم، تدرجا بين رمزيات ونفسيات مختلفة ترصد الواقع لتشكله من جديد وفق رؤية دقيقة لروائي لا يفلت جزءا إلا ويجعل منه مادة سردية نافذة.

إضافة إلى الحارات والمهمشين، تناول محفوظ طبقات اجتماعية مختلفة كالبرجوازيين والطبقة الوسطى في مصر، مصورا كذلك صراع الثورة والاستعمار البريطاني، والأفكار التي قسمت الشارع المصري بين إخوان وشيوعيين وقوميين ولا منتمين وغيرهم، وهو تقريبا ما نشهده اليوم، حيث رصد الكاتب أشكالا مختلفة للصراع في عمق المجتمع، ناقلا ذلك بكل دقة لكن من زوايا أخرى مختلفة، حيث نسمع الضحية والجلاد اللص والمومس البرجوازي والفلاح، لكل شخصية من شخصياته رأيها وقولها اللذان لم يغفلهما الكاتب.

اسم محفوظ ترسخ ككاتب عالمي ليس بسبب نيله نوبل فحسب، بل ككاتب عبقري برع في التعبير عن خفايا المجتمع

لذا ونحن نتساءل اليوم عن كيفية بقاء روايات نجيب محفوظ حية بيننا لم تطلها سطوة الزمن ولم تؤثر في جذوتها، لنا أن نعتبر كل ما ذكرنا من خصائص مما ساهم في تخليد الأديب وأعماله، التي مازالت تعبر عن هواجس المجتمع المصري، ومازالت تلقى لها صدى في نفوس القراء من مختلف الشرائح، فمحفوظ قدم واقعا محبوكا بشكل عبقري، واقعا في شكل عالم سردي متين ومختلفان زوايا النظر، انتصر فيه الكاتب للإنسان في قضاياه السياسية والاجتماعية العادلة، فقضية كالحرية ومحاربة الظلم والفساد ستظل أبدا هاجسا إنسانيا يطمح له الجميع.

لا تكمن أهمية أعمال محفوظ في التصاقه بواقعه فقط، بل كذلك في قدرته العجيبة على خلق أيقونات من هذا الواقع المصري بداية والكوني بدرجة ثانية، حيث وأنت تقرأ محفوظ في حكاياته ووصفه تعيش ما يقصّه عليك حقيقة بكل جوارحك؛ تفكر، تتألم، تحس، تفرح تخاف، تنقبض.. وكأنك في عالم حقيقي تعيشه ولست تقرأه.

ميزة نجيب محفوظ لا نجدها عند غيره من الكتاب، الذين حتى وإن تناولوا الواقع وحاولوا ربط جسور مع قراء مختلفين فإنهم لم ينجحوا بالشكل الذي نجح به محفوظ، وربما يعود ذلك إلى افتقادهم للوصفة السحرية للكاتب الراحل، ألا وهي مرافقة الواقع إلى القارئ وليس اقتياده إليه. وهذا ما جعل من رواياته مادة ثرية للسينما والدراما ليكون أكثر كاتب عربي صُورت أعماله.

15