بعد علاقات ومصالح استراتيجية.. الأسد يغادر بيت الطاعة العثماني عدوا

الأربعاء 2014/02/05
بشار الأسد و رجب طيب أردوغان.. أصدقاء الأمس أعداء اليوم

تحولت العلاقات السورية التركية، خلال مدة قصيرة وبشكل لافت، من علاقات استراتيجية كاملة متعددة الجوانب، إلى علاقات متوترة عدائية من الطرفين، مع بداية الأحداث في سوريا.

كانت العلاقات عدائية بين السياستين السورية والتركية طوال معظم القرن العشرين، رغم الحدود المشتركة (850 كم) والقرابة بين السكان على طرفي الحدود، والأنهار والملكيات الزراعية، ورغم 400 عام من العلاقات كانت فيها سوريا ولاية تتبع السلطان العثماني مباشرة، ولعل أهم أسباب العداء نتجت عن ضم (لواء) اسكندرون إلى تركيا بقرار فرنسي عام 1938، ورفض تركيا الاعتراف بأن نهر الفرات نهر دولي، وتجاهلها حل مشكلة أملاك السوريين على الجانب التركي من الحدود، إضافة إلى دخول تركيا حلف شمال الأطلسي وإقامة علاقات تعاون مع إسرائيل.

بينما كانت سوريا متحالفة مع حركة التحرر ثم مع منظومة الدول الاشتراكية، وكادت الخلافات تجر البلدين إلى حرب مرتين: أولاهما عام 1957 أيام حلف بغداد وثانيهما عام 1998 بسبب تعاون سوريا مع حزب العمال الكردستاني العدو اللدود لتركيا وتقديم المساعدة وقواعد التدريب له، وقبول لجوء رئيسه عبد الله أوجلان إلى سوريا.


من العداء إلى الصداقة


تزامن مجيء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2000 مع وراثة الرئيس بشار الأسد السلطة في سوريا عن أبيه، وبدأ التصاعد السريع لنمو العلاقات وصولاً إلى علاقات استراتيجية في المجالات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها، وعلاقات شراكة عبّرت عن نفسها بتفعيل اتفاقية (أضنة) الأمنية السرية الموقعة عام 1998 والتي تسرب أنها تسمح للجيش التركي بملاحقة (الإرهابيين) داخل سوريا لعمق (5 كم) دون أن تعطي الحق بمثل ذلك للجيش السوري، وقضت باعتبار الحدود القائمة بين البلدين نهائية.

وبالتالي لم يعد لسوريا الحق في المطالبة باستعادة لواء اسكندرون أو الأراضي الأخرى الواقعة داخل الحدود التركية، فضلاً عن توقيع (54) اتفاقية معلنة بين البلدين طالت مختلف الجوانب، من بينها إلغاء التأشيرات لدخول مواطني كل من البلدين البلد الآخر، وتطهير مناطق الحدود من الألغام، واتفاقية التجارة الحرة.


إلى العداء من جديد


انفجرت الأحداث في سوريا منتصف مارس 2011، وتنامت الاحتجاجات والمظاهرات وتحولت إلى انتفاضة شاملة، وعلى خلاف توقع السياسة والسياسيين السوريين وحتى الشعب السوري، أيّدتها السياسة التركية منذ يومها الأول، وأعلن رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي أنه نصح الأسد بإجراء إصلاحات ديمقراطية أكثر من مرة دون جدوى، ومع بداية استخدام النظام السوري لقواته العسكرية في قتل المحتجين سلمياً أرسل أردوغان مدير جهاز مخابراته إلى سوريا للتباحث مع المسؤولين و(نقل التجربة التركية إليهم) وعرض على السلطات السورية تدريبها على العمل الديمقراطي، واتصلت القيادة التركية بمثيلتها السورية وعرضت أفكاراً للخروج من الأزمة، لكنها لم تستطع إقناعها بالاستجابة لطلبات المحتجين ونبذ العنف، ثم صعَّدت السياسة التركية موقفها، فأعلن أردوغان شخصياً أن لديه مخاوف من أن اشتباكات طائفية قد تنفجر في سوريا ويمكن أن تقسم البلاد، واعتبر أحداث سوريا شأنا داخليا تركيا بسبب طول الحدود بين البلدين، وأرفق تصريحاته هذه بدعم المعارضة السورية بكل أطيافها، وخاصة التيارات الإسلامية، وفتح لها أبواب تركيا لتعقد اجتماعاتها ومؤتمراتها وتطلق تصريحاتها مهما كانت معادية للسلطة السورية.


الدور التركي المباشر في الأحداث


تبدّى الدور التركي المباشر في توجهات ثلاثة هي:

لم تكن تركيا قادرة على تحمل أعباء الملف السوري لوحدها ولم يدعمها الغرب لتلعب هذا الدور

* التوجه الأول: تبني المعارضة السورية ودعمها سياسياً، وإتاحة الفرصة لها كي تعقد مؤتمرات في مدن تركية، وتطلق تصريحات صحفية من هناك، وتدعو إلى اجتماعات لقياداتها، وصارت تركيا في الواقع الأرض الصلبة التي تتحرك فوقها المعارضة السورية.

* التوجه الثاني: كان استقبال اللاجئين السوريين الذين تعرضت مدنهم وبلداتهم الحدودية لاجتياح الجيش السوري وقوات الأمن، وبناء مخيمات لهم، وأحياناً بناؤها مسبقاً، ورعايتهم وربما تشجيع المواطنين السوريين على اللجوء إلى تركيا، والإعلان غير الرسمي بأن السلطة التركية ستعمد إلى إقامة مناطق حدودية آمنة داخل الأراضي السوريا تطبيقاً لاتفاقية (أضنة)، شجع كل ذلك سوريين كثر للجوء إلى تركيا، وكان لهذا أثر إيجابي كبير لدى الشعب السوري، عمّق طمأنة المنتفضين لوجود حليف لهم.

* التوجه الثالث: تمثل في الجهود التي بذلتها السياسة التركية لإقناع الاتحاد الأوروبي والإدارة الأميركية بتصليب مواقفها من الحدث السوري، وتحريض هذه البلدان للضغط على سوريا بمختلف الوسائل والأساليب، لتقوم السلطة السورية بإصلاح نظامها، وتحوله إلى نظام ديمقراطي تعددي، وفي الوقت نفسه الطلب من العرب فعل ذلك، ومن إيران تخفيف دعمها لسوريا.


أسباب التأييد التركي للثورة


كان ملفتاً وربما مفاجئاً هذا الموقف التركي المؤيد لحركة احتجاج الشعب السوري والداعم لانتفاضته، بعد مرحلة تطور العلاقات بين البلدين وتوسعها وتعمقها، وبعد الرغبات المعلنة لكل من الطرفين في مزيد من الشراكة، وربما تماهي سياستيهما، حتى إن بعض المسؤولين السوريين عبر عن تمنياته بإدخال إيران وتركيا في الجامعة العربية، كعضوين مراقبين على الأقل، وقد أكدت سوريا لجميع دول العالم أنها لن تقبل رعاية لمفاوضاتها غير المباشرة مع الحكومة الإسرائيلية سوى الرعاية التركية، ولا ننسى أن النظام السوري قد دفع ضمناً لواء الاسكندرون ومياه الأنهار التي تمر بالدولتين ثمناً لهذه العلاقة، ويزيد استغراب المراقب عندما يلاحظ أن تركيا تجاهلت هذا الكرم السوري، والاعتراف بالحدود الحالية وقبول اعتبار الأنهار الدولية أنهاراً محلية تركية كما تجاهلت حجم تبادل اقتصادي متنام وصل عند بدء الأحداث إلى ما يقارب ثلاثة مليارات دولار وهو واعد بالمستقبل، وكان غريباً ربما تجاهل حكومة أردوغان لسياستها الجديدة التي تتحدث عن تركيا الشرق أوسطية، وعن المجال الحيوي التركي، وعن دورها الإقليمي والإسلامي المستجد.

وعلى أية حال فإن السياسة التركية الجديدة تقتضي إلغاء انعزال تركيا الإرادي عن شؤون المنطقة والذي طبق منذ سقوط الدولة العثمانية حتى نهاية القرن العشرين، وعودتها دولة إقليمية فاعلة، لها طموح بأن تكون الدولة ذات التأثير الأقوى في شؤون المنطقة، ولا يقلقها أن يكون ذلك على حساب الدور الإقليمي الإيراني المتراجع، والدور الإسرائيلي الذي لم يعد فائق السطوة والقوة، وفي ضوء ذلك كان لابد للسياسة التركية من أن تهتم شديد الاهتمام بما يجري في سوريا، ليس فقط من خلال (مسؤولياتها) الإقليمية التي تسعى إليها، بل أيضاً لأن سوريا جار مباشر، ودولة ذات أهمية إقليمية، ولا ينبغي للسياسة التركية الجديدة أن تتبنى موقف الحياد تجاه ما يجري فيها.

تركيا ومسار الأحداث في سوريا
◄ تبني المعارضة السورية ودعمها سياسيا

◄ استقبال اللاجئين السوريين في المخيمات التركية

◄ تحريض أميركا والاتحاد الأوروبي للضغط على نظام الأسد

من جهة أخرى تدرك تركيا جيداً أن تدهور الأوضاع الأمنية في سوريا، قد ينعكس سلباً على تركيا وأمنها، وانهيار النظام في سوريا بشكل مفاجئ يسبب فوضى يصعب على تركيا التغلب عليها، فعلى أقل تقدير ستواجه تركيا تدفقاً للاجئين، وإذا تحول الأمر إلى حرب أهلية فلن يستطيع أحد إيقاف مليون ونصف مليون كردي في سوريا من التمرد، وسوريا ديمقراطية ستفتح الباب أمام تركيا في الشرق الأوسط من أجل تثبيت قدميها وتوسيع دائرة تأثيرها، لكن حرباً أهلية فيها ستعيد تركيا إلى المربع الأول في رحلتها مع الشرق الأوسط.

أمر آخر هام ربما كان في ذهن أردوغان وهو محاولة الاستفادة من تجربة نجم الدين أربكان الذي وفر الشروط الموضوعية والظروف في مسيرته السياسية التي انتهت بتولية أردوغان رئاسة الحكومة التركية، وتهيئة المناخ فعلياً لصعود حزب العدالة والتنمية (الابن اللدود لحزب السعادة) الأربكاني، وربما لو لم يوفر أربكان هذه الظروف لما صعد حزب العدالة بالشكل الذي صعد به.

ويبدو أن أردوغان كان يأمل أن يعيد التجربة في سوريا، ويهيئ المناخ لصعود الإخوان المسلمين السوريين، للمشاركة في السلطة على الأقل، لذلك حاول أكثر من مرة خلال زياراته لسوريا أن يقنع الرئيس الأسد بقبول اتفاق (سري أو علني) أو حتى اتفاقاً غير مكتوب، يقضي بعودة الإخوان المسلمين للعمل في سوريا، وعودة المنفيين منهم مقابل تعهدهم بممارسة اللعبة الديمقراطية وعدم لجوئهم إلى أي نوع من أنواع العنف، وقد رفض الأسد ذاك المشروع وأصر على قبول عودتهم أفراداً فقط وعدم ممارسة نشاطات علنية وتعهدهم بعدم ممارسة العنف، وخاب أمل أردوغان وتصوراته عن قيام نظام ديمقراطي (رخو) في سوريا، يقرّب الإخوان المسلمين من السلطة لتكون سوريا توأم نظام العدالة والتنمية في تركيا.


الاستمرار في التصعيد

أحمد داود أوغلو:

التطورات في سوريا، تجاوزت جميع المشاكل السياسية


بعد اقتحام الجيش السوري مدينة حماة في أغسطس 2011، صعدت السياسة التركية موقفها وتحذيراتها بعد فترة من الهدوء، وأطلق أردوغان تصريحاً قوياً وربما كان أقوى تصريحاته السلبية ضد الرئيس الأسد فقال “إنه سيغرق في الدم الذي يسفكه”، وقد قالت صحيفة (جمهوريت) عن تصريح أردوغان (إن أنقرة حددت بالفعل الأماكن التي ستنصب فيها نظام الدرع الصاروخي في تركيا) وأوفدت الحكومة التركية وزير خارجيتها أحمد داوود أوغلو إلى دمشق وحملته رسالة مفادها حسب صحيفة (ميلليت) “لقد بذلنا جهداً كبيراً ليكون الإصلاح أولوية بقيادتكم ومن دون دماء وفي إطار سلمي، ولكن منذ ستة أشهر وأنتم تتلاعبون بنا، لقد وصل صبرنا إلى نقطته الأخيرة، إذا لم تتخلوا عن مواجهة الناس بالعنف وتنسحبوا من المدن فسنتخلى عن دعمنا لكم”، وعدم استماع الأسد للنصائح التركية أثار استياء تركيا لأنه يقوّض ادعاءاتها بأنها أصبحت اللاعب الإقليمي الأقوى، وهي التي كانت تقول إن تحسن علاقاتها مع سوريا والعراق هو أفضل نموذج على نجاح سياستها.

منتصف العام الماضي تمركز لواءان عسكريان من الجيش التركي الثاني قرب الحدود السورية استعداداً لأي أوامر عسكرية، ودرست القيادة العسكرية التركية احتمال إنشاء حزام أمني داخل الأراضي السورية، كذلك درست مدى مساهمة تركيا في أي تدخل محتمل ضد سوريا، واتفقت مع الغرب على أن ينشر صواريخ باتريوت لحماية حدودها مع سوريا من أي احتمال لاعتداء سوري، وأُعلنت حالة العداء الكامل والقطيعة الكاملة بين البلدين.


حذر من المستقبل


راهن الأتراك على سرعة سقوط النظام السوري، وسهّلوا عبور الحدود لكل من يريد دخول سوريا لقتال النظام، كما دعموا كل مبادرة، سياسية أو عسكرية يمكن أن تساهم بالإطاحة بالنظام السوري، وسعوا إلى أن يكونوا أصحاب كلمة في الأزمة السورية من خلال بناء علاقات وطيدة مع المعارضة السياسية والمعارضة العسكرية وإن بشكل غير مباشر، وكان لهم دور هام في التأثير على المعارضة السورية خاصة بوجود معارضات تنسجم مع الاستراتيجية وطريقة الحكم التركية، كجماعة الإخوان المسلمين ومجموعات ليبرالية معارضة وأخرى إسلامية معتدلة أو مجموعات ديمقراطية ملتزمة، وكلها تيارات سياسية سورية معارضة ترى أن التجربة التركية جديرة بالاقتداء بها.

وقد شهدت العلاقات التركية الأميركية خلال العام الأخير تبايناً ملحوظاً على خلفية الموقف من الأزمة السورية، وبدأت الولايات المتحدة تسعى إلى تقليص دور تركيا في الأزمة السورية الذي يبدو أنه أصبح أكبر من المسموح به، وتعرضت الاستخبارات التركية لحملة عنيفة من قبل واشنطن والصحافة الأميركية بتهمة قيامها بدعم راديكاليين إسلاميين في سوريا، واستخدمت واشنطن هذا الملف كأداة للضغط على أنقرة لتحجيم دورها.

بعدها،أعلن الأتراك أنهم لا يثقون بالمسار التفاوضي لمؤتمر جنيف 2، ربما لأنهم لمسوا احتمال خروجه عن دائرة تأثيرهم، وخوفاً من سحب كافة أوراق الأزمة السورية منها، فأعلنت أنقرة أنها ترفض الجهاديين وطالبتهم بالخروج من سوريا، وحاولت تنسيق مواقفها مع دول خليجية مؤثرة في الأزمة السورية، كما حاولت استرضاء الأميركيين فقامت بضبط بعض الجبهات الحدودية الموضعية في الشمال السوري، وبدأت مد بعض خطوط التواصل مع إيران وروسيا لتكون قطباً في الوسط.

بالعموم، لم تكن تركيا قادرة على تحمّل أعباء الملف السوري لوحدها في مواجهة النظام السوري وحلفائه الإقليميين والدوليين، ولم تستطع إنتاج إقليم واسع جغرافياً يمكن أن يكون مجالاً حيوياً للنفوذ التركي السياسي والاقتصادي مدعوماً بأيديولوجية إسلامية معتدلة تسمح لتركيا بأن تلعب دور الوسيط والمهيمن إلى حد ما في الإقليم الذي يتوسط المنطقة العربية والعالم الأوروبي.

7