بعد فوز الـ"لا" لمن الغلبة: ديمقراطية أثينا أم ديمقراطية بروكسل

يدرك اليونانيون أن نتيجة الاستفتاء حول أزمة بلادهم مع الترويكا الأوروبية، لن يكون لها مخرج سهل، أيا كانت نتيجة تصويتهم، ففي كلتا الحالتين الوضع سيكون صعبا، لذلك فضّلوا الـ”لا” وأيدوا رئيس حكومتهم ألكسيس تسيبراس الذي قال إن “الشعب اليوناني من خلال الاستفتاء لن يحسم مسألة البقاء في أوروبا فقط، وإنما سيحسم أيضا مسألة امتلاك حقوق متساوية مع الشعوب الأوروبية، وقضية العيش بكرامة”.
الثلاثاء 2015/07/07
التصويت بـ"لا" يعني وسيلة قوية للضغط للحصول على اتفاق أفضل

كتب سارج حليمي في مقال بعنوان “من أجل دعم اليونان”، في عدد شهر مارس الماضي لصحيفة “لوموند الدبلوماسية” الفرنسيّة، أنّ الشعب اليوناني ليس في حاجة إلى من يعلّمه مدلول الديمقراطيّة فهو مبدعها ومعلّمها الأوّل.

غير أنّ دعوة حليمي إلى أن يكفّ الأوروبيون عن لعب دور المدرّس لأحفاد أرسطو وأفلاطون لم تمنع حكومات البلدان الأوروبيّة من إعطاء دروس في الديمقراطيّة مبسّطة ومشوّهة في اعتقاد البعض تجاوزها العقل اليوناني منذ قرون.

وأوّل هذه البلدان هي ألمانيا القويّة باقتصادها ومالها قبل أن تنتقل العدوى إلى هولندا والبرتغال وفنلندا وحتّى أسبانيا، قبل أن تتحوّل بدورها إلى اليسار في الانتخابات البلديّة الأخيرة.

وتنضمّ إلى الركب سلوفاكيا التي نصح قادتها اليونان بأن تنحو نحوها وتذعن للقرارات الأوروبية لتنجو بجلدها؛ وغيرها من الحكومات الأوروبية الأخرى التي ما انفكت، منذ انتخاب اليونانيين لحزب “سيريزا، اليساري تمطرهم بوابل من النصائح والتهديدات بأنّ عاقبتهم ستكون وخيمة إذا لم ينصاعوا إلى إملاءات الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي.

توحي العديد من المؤشّرات بأنّ اليونان، التي شهدت ثقافتها ميلاد الديمقراطيّة وأهدتها إلى العالم بأسره، سائرة الآن نحو تراجيديا، كان لها الفضل كذلك في إبداعها قديما، وفصولها تُحبك تدريجيا في العواصم الأوروبيّة الكبرى.

وسواء قبل اليونانيون بالإملاءات الأوروبية أو رفضوها، وحتّى في حالة الوصول إلى اتفاق تعادليّ، يتزحزح بمقتضاه كلّ طرف نحو الوسط وقبل ببعض شروط الطرف الآخر، فإنّه لا مناص من النهاية التراجيدية للبطل اليوناني الذي سنراه يخرّ صريعا في آخر المشوار مثل “سيزيف”، بعد أن يصل إلى قمّة الجبل ويرتطم رأسه بصخرة “العناد” ولن يُسجلّ له التاريخ إلّا شرف المحاولة فحسب.

هل لا يزال التفاوض ممكنا بين أثينا ودائنيها

وضعت نتيجة الاستفتاء في اليونان الاتحاد الأوروبي أمام معضلة كبيرة، ويبدو حسب المؤشرات الأولية أن الطرفين يحاولان تجاوزها تفاديا لأن تلقي بظلالها على مستقبل منطقة اليورو خاصة، والاتحاد الأوروبي عامة.

* ما هو موقف حكومة اليونان؟

- أعلنت الحكومة اليونانية أنها مستعدة للعودة إلى طاولة الحوار، ولم تظهر أي نية في الخروج من منطقة اليورو، بل أكدت على أن الاستفتاء منحها موقعا أكثر قوة للتفاوض، ودعما شعبيا في رفضها لخطة التقشف، والتي أملتها عليها الجهات

* ماهي سياسة التقشّف؟

- سياسة التقشف التي يرفضها ائتلاف اليسار الراديكالي في اليونان فرضتها الترويكا الأوروبية (صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي واللجنة الأوروبية). وتعد ألمانيا أكبر دائن لليونان وتليها فرنسا، فلهما 80 بالمئة من الديون. وأدى هذا التقشف إلى انهيار كامل في الخدمات الاجتماعية.

* هل ستكون هناك مفاوضات جدديدة في الأفق؟

- يتوقع الخبراء أن تمنح الدول الأوروبية فرصة جديدة للمفاوضات من أجل تجنب كارثة مالية تعرض اليونان للخروج ربما بسرعة كبيرة من منطقة اليورو.

* أي تأثير لنتيجة الاستفتاء على الاتحاد الأوروبي؟

- اعتبر مراقبون أن لاتحاد الأوروبي يعيش اليوم أخطر وضع منذ تأسيسه، نتيجة ما يمكن أن يتمخض عنه هذا الاستفتاء، ويمكن أن يجد نفسه أمام إشكالات داخلية تواجهه لأول مرة في تاريخه، بالنظر للوضع الاقتصادي المشابه، إلى حد ما، لوضع اليونان في كل من أسبانيا والبرتغال.

هذا بالطبع سيناريو متشائم ولكنّه الأكثر واقعيّة في نظر العديد من الملاحظين، رغم أنّ البعض الآخر يرى أنّه في كلّ الأحوال يظلّ هناك بصيص من الأمل بعد أن هبّت رياح التغيير والتمرّد على المؤسّسات الأوروبيّة في أسبانيا بصعود البوديموس اليساري إلى سدّة التسيير البلدي خلال الشهر الماضي، في أعرق المدن الأسبانية وأكبرها برشلونة ومدريد، وإمكانية فوزه الكبير في الانتخابات التشريعيّة القادمة.

هذا علاوة على التعاطف الذي يتمنّع به حزب سيريزا لدى الكثير من المثقفين والمفكرين الأوروبيين والأحزاب اليساريّة الشبيهة بهما، بل وحتى الأحزاب اليمينية المتشدّدة ترى أن في دعم اليونان خطوة أولى أمام استعادة الدول لسيادتها من سيطرة بروكسل.

وقال مسؤول في حزب “فورتسا إيطاليا” اليميني ريناتو برونيتا “أدعم تسيبراس وإن كنت لا أتفق مع رؤيته السياسية وسياساته الاقتصادية”، مضيفا “لقد سئمنا من أوروبا البيروقراطية هذه، وتعبنا من أوروبا الألمانية”، في إشارة إلى نفوذ برلين الواسع.

ومن بين الأحزاب اليمينية المتشددة أيضا، حزب الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة في فرنسا الذي يدعو إلى الخروج من نظام العملة الموحدة، إذ رحبت رئيسته مارين لوبان، بنتائج الاستفتاء في اليونان، وأوضحت في تصريحات صحفية، “أنه حان الوقت لأن يجتمع قادة الاتحاد الأوروبي، وأن يعلموا حقيقة أنَّ اليورو لم يعد ناجحا”، مشيرة “أن الناخب اليوناني قال (لا)، للإملاءات الأوروبية”.

إصلاحات مخربة

منذ انتخاب اليونانيين لحزب “سيريزا” اليساري “الراديكالي”، كما يُطلق عليه عادة في الإعلام الأوروبي، وهي صفة لا تخلو حسب قادته والمتعاطفين معه ومنتخبيه من سوء النيّة لإظهاره في مظهر المتشدّد والإلصاق به صفة الغلوّ، انخرطت الحكومة المنبثقة عنه في مفاوضات شاقة مع الهيئات الماليّة الأوروبيّة الرسميّة من أجل إقناعها باسم الديمقراطية باحترام سيادة الشعب اليوناني واختياراته السياسية والاقتصادية المتمثّلة بالخصوص في رفض ما تسميّها هذه الهيئات بـ”الإصلاحات” واعتبارها على العكس من ذلك وعلى طرف نقيض مع الإصطلاح الأوروبي الرسمي بـ”المهلكات” و”المخرّبات”.

ولم تفض هذه المفاوضات، التي امتدّت على حوالي خمسة أشهر، إلى أيّ نتيجة تُذكر، ماعدا مزيد تأزيم الاقتصاد اليوناني وإنهاكه؛ وبالتالي عجز أثينا عن تسديد الدين المتخلّد بذمّتها نحو صندوق النقد الدولي بقيمة مليار وستمئة مليون دولار، كان من المفترض أن يقع تسديده في 6 يونيو الماضي.

ومن المتوقّع أيضا أن تعجز عن تسديد دفعة أخرى من ديونها لدى البنك المركزي الأوروبي بقيمة 3,5 مليار دولار يحين أجل تسديدها في 20 من الشهر الجاري.

وصلت هذه المفاوضات إلى طريق مسدود، وبلغ التشنّج بين الطرفين قبل يوم من الاستفتاء الذي لجأت إليه الحكومة اليونانية ليقول الشعب اليوناني كلمته في المطالب الأوروبية برفضها.

واتهم رئيس الحكومة اليونانية تسيبراس الاتحاد الأوروبي بالتنكّر للمبادئ التي بُنيت عليها الوحدة الأوروبية في احترام سيادة الشعوب وتوقها إلى العدل والمساواة ومحاولة إذلال الشعب اليوناني وإهانته وتركيعه بالترهيب والمساومة والابتزاز.

انسحاب أثينا من الاتحاد الأوروبي

الآن وقد صوّت الشعب اليوناني، يوم الأحد الماضي، برفض المشروع الأوروبي للإصلاح بـ “لا” النفي اليونانيّة الصريحة التي جعلها أفلاطون الكلمة المفتاح لممارسة الحرّية، لا شيء يدلّ على أنّ الأزمة ستنفرج. لا شكّ أنّ “لا” ستقوّي من موقف الحكومة اليونانيّة في مفاوضات محتملة ومرتقبة ستكون بكلّ تأكيد أعسر من سابقاتها في ظلّ تصريحات متضاربة، فوزير الماليّة الألماني فولفغانغ شويبله بعد صدور نتائج الاستفتاء صرّح بأنّ اليونان عليه من اليوم التفكير في عملة أخرى غير “اليورو”. ما يعني انسحاب أثينا من الاتحاد الأوروبي.

ويؤكّد زيغمار غابريل نائب المستشارة أنجيلا ميركل كلامه بالقول إنّ رئيس الوزراء اليوناني قد قطع كلّ جسور التواصل مع الاتحاد الأوروبي. في حين أنّ صندوق النقد الدولي أصدر تقريرا يتعلّق بالأزمة اليونانيّة يحث فيه الاتّحاد الأوروبي على تحمّل المسؤولية في اتخاذ قرارات تضامنيّة جريئة مع اليونان.

ما فُهم منه أنّه دعم ضمني للحكومة اليونانيّة في صراعها مع المؤسّسات الأوروبية المانحة. غير أنّ مستقبل اليونان، بل لربّما مستقبل الاتحاد الأوروبي، يظلّ مبهما وإذا كان هناك اختلاف في الآراء وأكثر من ذلك صعوبة في استبصار ما ستؤول إليه الأمور في قادم الأيّام فيما يتعلّق بمستقبل العلاقة بين اليونان والاتحاد الأوربي؛ ولا أحد بإمكانه التكهّن حقيقة بما سيحدث فعلا؛ فإنّه ثمّة إجماع على أنّ “لا” اليونان و”لا” الاتحاد الأوروبي سيكونان في المستقبل كما كانا عليه في السنوات الماضية، لا سيما وإنّ الإشكال لا يتعلّق بالاقتصاد والماليّة والديون وإنّما بمفهوم الديمقراطية ذاته في الحقل الأوروبي: واحد يراها من منظور يساري اشتراكي وربّما “أفلاطوني” ومن خلال صناديق الاقتراع والآخر يراها من منظور ليبرالي ومن خلال صناديق المال. ولا شكّ أنّ الأيّام والشهور القادمة ستفصح عمّن ستكون له الغلبة من المفهومين: الديمقراطية اليونانية، ديمقراطية الفقراء والمدينة الفاضلة، أم ديمقراطية رأس المال، ديمقراطية الصيارفة والأغنياء.

6