بعد فوز المعتدلين.. إيران تتجمل ولا تتغير

حظيت الانتخابات الإيرانية في دورتها الحالية سواء بالنسبة إلى مجلس الشورى أو مجلس الخبراء بمتابعة مضاعفة نظرا لصعود المعتدلين كشريك مؤثر هذه المرة. وتباينت المواقف الغربية والعربية حول هذا الطارئ الجديد، ففيما يغلب الاعتقاد عربيا أن الإنجاز الذي حققه المعتدلون لن يغير ثوابت سياستها الخارجية حيال المنطقة، استقبل الإعلام الغربي الأمر بالكثير من التفاؤل والرضا المريبين.
الثلاثاء 2016/03/01
ماذا سيتغير

طهران - كما كان متوقعا، وكما روّجت له وسائل إعلام غربية وإيرانية محسوبة على التيار الإصلاحي المدعوم من الغرب، حصد الإصلاحيون في إيران مكاسب هامة على حساب نظرائهم المحافظين، في سيناريو يبدو لبعض المتابعين أنه يصب في خانة التجديد الذي سيطرأ على السياسة الإيرانية.

لكن الواقع أن طهران اليوم لا تتغير ولكنها تتجمل، والنتائج التي يهلل لها الكثير ليست إلا جزءا من برنامج متكامل يحكم الدولة ولن يحيد عنه أي طرف يصل إلى السلطة.

ولعل مجرد العودة إلى مجريات تنظيم الانتخابات البرلمانية يمكن أن تؤكد ذلك، إذا لم تكن الانتخابات البرلمانية في إيران تعرف نفس الحماس الذي تلقاه الانتخابات الرئاسية، ويمنع فيها تنظيم الحملات الانتخابية الرسمية حتى الأسبوع الأخير الذي يسبق موعد الانتخابات، كما لا يسمح للمرشحين القيام بالدعاية في الشارع عبر أي وسيلة.

إلا أن الحملات الانتخابية هذه السنة رفعت عنها كل هذه الموانع وأتيحت الفرصة مبكرا للمرشحين لتنظيم حملاتهم في أكثر من فضاء بما في ذلك الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التي كانت محظورة. وهذه التسهيلات أتاحت الفرصة للسياسيين وخاصة الإصلاحيين للوصول بيسر إلى المواطنين، وهو ما يعني أن فوز المعتدلين لم يأت صدفة بل تمت تهيئة الظروف المناسبة له من قبل مؤسسات الدولة الكبرى والتي تشرف على تسييرها غالبا الجماعات المحافظة.

وأسفرت الانتخابات التي جرت الجمعة الماضي عن فوز الإصلاحيين، حيث أظهرت نتائج الانتخابات الإيرانية، مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) ومجلس قيادة الخبراء، فوز الرئيس حسن روحاني وحلفائه في الانتخابات البرلمانية بجميع مقاعد العاصمة طهران، وعددها 30 مقعدا، و15 مقعدا من أصل 16 مقعدا مخصصة لطهران في انتخابات مجلس الخبراء التي أجريت بالتزامن، ما أدى إلى إخراج اثنين من كبار المحافظين من المجلس أحدهما هو رئيس المجلس محمد يزدي، في حين لم ينتخب سوى سياسي محافظ واحد في طهران هو أحمد جنتي الذي جاء في المركز السادس عشر في المجلس.

وتشير النتائج إلى أن المحافظين قد يخسرون هيمنتهم على مجلس الخبراء الذي يضم 88 عضوا ويتولى مهمة اختيار الزعيم الأعلى وهو أرفع منصب في البلاد؛ لكن هذا الإنجاز بالنسبة إلى المعتدلين رغم أهميته إلا أنه يبقى فقط على مستوى مجلس الخبراء ولم يشمل مجلس النواب الذي يواصل المحافظون سطوتهم على الأغلبية داخله.

كما أن الإصلاحيين ورغم حصولهم خلال انتخابات مجلس الخبراء على كافة الأصوات في طهران، إلا أنهم لم يتمكنوا من تحقيق أرقام كبيرة على مستوى بقية المدن الأخرى التي اكتسح المحافظون أبرزها على غرار مدينة قم.

فوز الإصلاحيين لن يغير من سياسات النظام القمعية في الداخل أو استمراره في التدخل بالمنطقة ودعم الإرهاب

لا تغيير في العلاقات مع دول الجوار

شهدت هذه الانتخابات متابعة خاصة من خارج إيران ولا سيما دول الجوار، التي تراهن على أن تكون هذه المحطة بمثابة انطلاقة سياسة جديدة لهذا البلد الذي لم يتوان طيلة السنوات الماضية عن تعكير صفو استقرار المنطقة. ولكن هذه الآمال العريضة المنشودة لن يكون لها صدى حقيقيا حتى بعد الإنجاز الكبير الذي حققه التيار الإصلاحي في هذه الانتخابات.

والأكيد أن إيران قد تتغير في إطار يسمح لها بتدفق الاستثمار وتحريك اقتصادها، ولكنها حتما لن تتخلى عن سياستها الخارجية تجاه دول المنطقة العربية لعدة اعتبارات.

ويقول مراقبون إنه من المضحك الحديث عن تغيير في سياسة إيران الخارجية بمنطقة الشرق الأوسط ودول الخليج العربي. ويعللون ذلك بأن تعاطي طهران مع هذه المنطقة محكوم أساسا باعتبارات “الثورة” التي يديرها بصورة مباشرة الحرس الثوري الإيراني، والذي تعود مهامه بالنظر إلى المرشد الأعلى.

وتتوزع دائرة نشاط هذه الميليشيا المتحكمة في إمبراطورية اقتصادية كبرى داخل إيران على الكثير من دول المنطقة على غرار العراق وسوريا واليمن، والأكيد أنه مهما كانت نتيجة الانتخابات الإيرانية، فإن ذلك لن يؤدي أبدا إلى نتيجة مفادها أن ترفع إيران يدها عن تخريب المنطقة، لا سيما بعد كل ما بذلته من جهود مادية وعسكرية كبيرة في سبيل وضع موطئ قدم داخلها، حيث يتوقع مراقبون بأن تصعّد طهران من خلافاتها مع عدة دول على غرار المملكة العربية السعودية.

ويعتبر هاشمي رفسنجاني، الرئيس الأسبق من أبرز رموز تيار الاعتدال في إيران، وقد صرح خلال حملته الانتخابية بأن الأفكار السلفية المتطرفة التي تمتد جذورها إلى فكر السعودي محمد بن عبدالوهاب، تمثل العقبة الكبرى في طريق وحدة المسلمين وتقدمهم، في إشارة منه إلى تواصل نهج الصراع مع الرياض وعدم وجود نية للتراجع عن هذا الخيار.

وفي تصريح إعلامي علق المتحدث الرسمي باسم جبهة إيران الديمقراطية في الخارج محمد زماني قائلا، إن “صناديق الاقتراع في إيران ليست أداة للتغير، بل أداة يستخدمها النظام لكسب المشروعية”، مشددا على أن فوز الإصلاحيين لن يغير من سياسات النظام في الداخل أو استمراره في التدخل بالمنطقة ودعم الإرهاب في الدول العربية والعالم.

فوز الاصلاحيين لن يغير سياسات الداخل

وبالتزامن مع ما تشهده المنطقة العربية من أحداث ساخنة، وعلى ضوء التغيير الذي سيطرأ على التركيبة السياسية في إيران بعد الانتخابات الأخيرة، ونظرا للرضا الذي تحظى به السياسة الخارجية الإيرانية بعد توقيع الاتفاق النووي، فإن احتمالات تصاعد الدور الإقليمي لإيران مطروحة أكثر من أي وقت مضى خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من نزاعات وحروب مفتوحة الأمد وسيناريوهات متوقعة من كل جهة.

وفي ظل ما يروّج له الإعلام الغربي من خطاب يحمل في طياته بوادر رضا عن إيران دون مراعاة لتجاوزاتها في المنطقة، في خطوة تبدو مؤشرا على إعادة دور منصب شرطي المنطقة لطهران، وأن ما حققه الإصلاحيون في الانتخابات الأخيرة ليس سوى جزء من هذه الصفقة باعتبار علاقة التقارب التي أضحت تربط حسن روحاني مع الدول الغربية.

إثر توقيع الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى، قام الغرب بتوظيف الماكينة الإعلامية في اتجاه إقناع مواطنيه بجدوى هذه الخطوة، كما حاول طمأنة المنطقة العربية من تبعات ذلك. واليوم يعاد ذات المشهد تفاعلا مع نتائج الانتخابات الإيرانية، حيث ينظم الإعلام الغربي ما يشبه الحملة المهللة بفوز الإصلاحيين، وتصب جميعها في خانة أن هذه أولى خطوات التغيير المأمولة في هذا البلد غداة توقيع الاتفاق النووي.

تهليل غربي

تناولت أبرز الصحف الغربية الانتخابات الإيرانية معتبرة إياها بمثابة نقلة نوعية ومحطة تاريخية بالنسبة إلى هذا البلد والتي تأتي كترجمة وتفاعل إيجابي من الإيرانيين مع نجاح روحاني في الوصول بالمفاوضات مع الدول الكبرى إلى الاتفاق النووي وما تبعه من رفع للعقوبات.

ووصفت مجلة “فورين أفيرز” الحدث الانتخابي في طهران بـ”اللحظة التاريخية”، معتبرة أنها ستحدد المصير السياسي للرئيس الإيراني حسن روحاني بعد الانتصار الذي حققته سياسته الخارجية عبر التوصل إلى توقيع الاتفاق النووي مع الغرب، وهو ما يعزز موقف حلفائه ويسمح لهم بكسب اليد العليا في المجلس التشريعي، على حد تعبيرها.

كما أشارت إلى أن انتخابات مجلس الخبراء تأتي في وقت تتردد فيه أنباء عن تدهور صحة المرشد الأعلى علي خامنئي (77 عاما) وأن هناك احتمالا كبيرا بأن يقوم المجلس بتعيين خليفة له، ما يعني إعادة تشكيل مسار الجمهورية الإيرانية برمته.

واعتبرت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن الانتخابات الإيرانية هي بمثابة “استفتاء على الرئيس روحاني الذي يرسم ملامح خطوة مبدئية نحو الحداثة والانفتاح”، مضيفة أن الانتخابات تأتي بعد الصفقة النووية التي أسفرت عن رفع العقوبات الدولية عن إيران، وهو ما يعني أنها تعكس مدى موافقة الإيرانيين على نهج روحاني.

وقالت صحيفة “الغارديان” البريطانية في تقرير لها إن النتائج الأولية للانتخابات في إيران تظهر تحقيق أنصار الرئيس الإيراني حسن روحاني مكاسب قد تساعد في تشجيع الانفتاح بشكل كبير مع الغرب.

وهذا الترحيب الذي أبدته صحف غربية كبرى لترشح المعتدلين، يبدو بحسب المراقبين، مريبا ويبعث على التساؤل عما إذا كانت هناك ترتيبات جديدة تطبخ على مهل، وستمنح بمقتضاها إيران مهام جديدة في المنطقة. وعليه يتم الترويج لصعود المعتدلين كدليل أو ضمانة تقدم خاصة للشعوب الغربية لإيهامها بأن هناك تغييرا حقيقيا يطرأ على السياسة الإيرانية.

والحال أن القيادات الكبرى في العالم تعي جيدا أن أي تيار يفوز سيكون محكوما بقواعد الثورة وملزما بالعودة إلى تعليمات المرشد الأعلى، وأن حديث الاعتدال ليس إلا محض خطابات دعائية معتمدة أساسا لخدمة أهداف لا تتعارض أبدا مع ما تمليه متطلبات السياسة المألوفة لإيران على أكثر من صعيد ومع جميع الأطراف بما في ذلك الجانب الغربي.

كما أن المرشد الأعلى علي خامئني الذي يتبوأ الجزء الأعلى في هرم السلطة، ليست لديه أيّ نية بترك الولايات المتحدة والحركة الخضراء ذات القاعدة الشعبية أو أن يسمح لروحاني بأن يخلق تغييرا كبيرا من خلال كواليس الاتفاق النووي. وفي الواقع فإن خامنئي لا يزال مستميتا في محاولاته لضمان عدم وجود أي تطبيع جدي مع واشنطن، وأن التفاعلات مع الأميركيين تنحصر بكونها وظيفية بحتة، ولن تخرج عن السياق المناسب.

وهذه الاعتبارات ليست خفية على الدول التي تمرسّت وعهدت جيدا السياسة الإيرانية، إذ يبدو أنها كما تحدث الكثير من الخبراء، فقد تم الإعداد للكثير من الأشياء والتنسيق بشأنها أثناء محادثات ومفاوضات الاتفاق النووي.

لا تأملوا كثيرا

“اعتدال في إيران؟ لا تأملوا كثيرا”، هكذا عبّر الباحث الأميركي والسياسي آرون ديفيد ميللر عن توقعاته بشأن ما أفضت إليه نتائج الانتخابات في إيران، فمن غير المعقول أن “الآمال المثالية أو الخيالات هي من العوامل المحددة لرؤيتنا ولما هو ممكن حينما يتعلق الأمر بتحرير الديمقراطية وإقرارها صلب المجتمعات الشمولية”، وفق ميللر.

ويبدو أن التقدم الذي يحرزه أي نظام سلطوي قائم على الأيديولوجيا يمكن أن يحدث وبسهولة خطوات قليلة إلى الوراء، فالولايات المتحدة قامت بخلق برنامج نووي إيراني يمكن مراقبته بسهولة، لتتجنب بذلك إمكانية أن تشن إسرائيل ضربة عسكرية محتملة على إيران، في حين مهد الاتفاق السبيل أمام طهران للحصول على المليارات من الدولارات في شكل أصول مجمدة، بالإضافة إلى مليارات أخرى في شكل اتفاقيات تجارية مع أوروبا وآسيا.

ومن الواضح أن لا شيء من هذا يصب في مصلحة البراغماتيين الإيرانيين والوسطيين، ناهيك عن الإصلاحيين. وفي الواقع، وكما قال علي واعظ عند حديثه عن عدد من الملاحظات أمام مجموعة الأزمات الدولية “في إيران تاريخيا التخفيف الخارجي غير متوازن مع التشنج الداخلي”. وهذا هو ما حدث بعد وقف إطلاق النار في العام 1988 إثر نهاية الحرب مع العراق، وبعد الاتفاق النووي عام 2003 مع بريطانيا وفرنسا وألمانيا، عندما استبعد مجلس صيانة الدستور قوى المرشحين الإصلاحيين في الانتخابات، واستعاد المحافظون الأغلبية البرلمانية. وهذه خطوة إلى الأمام في النظام السلطوي والأيديولوجي الذي يمكن أن ينتج عنها بسهولة بضع خطوات إلى الوراء، أو على الأقل إلى الجانب.

ويشير الخبراء، الذين يؤّدون موقف ميللر في التقليل من أهمية هذا النجاح على مستوى تغير السياسة الخارجية لإيران، مشيرين إلى أن بعض السياسيين الغربيين الداعمين لطهران يتصرفون وكأن حسن روحاني وهاشمي رفسنجاني سيقودان التغيير الشامل في بلد يسير وفق نهج ثيوقراطي محدّد منذ 37 سنة، ومتناسين أن هؤلاء “الإصلاحيين” الذين يبشرون بفوزهم على أبناء هذا النظام الذي جاءت به الثورة الإسلامية، وأن اعتدالهم وإصلاحاتهم ستقتصر على بعض الحريات الاجتماعية والانفتاح المحدود على الغرب، أما في ما يخص المسائل القومية فلا جدال فيها.

ولو صادف الإصلاحيون الذين سيسيطرون على مجلس خبراء القيادة لمدة ثماني سنوات، واختاروا المرشد الأعلى القادم، فإن هناك شروطا محدّدة ستحكمهم وسيحكمون بها، وبالطبع وفق دستور الثورة الذي يعطي المرشد الأعلى الصلاحيات المطلقة، وبدعم من الحرس الثوري، الذراع الطولى لكلّ مرشد وحاكم في إيران.

ولعلّ من أبرز التصريحات الإيرانية التي تؤكّد صحة هذه الآراء ما جاء على لسان حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة كيهان المقربة من المرشد الأعلى علي خامنئي، حين اتهم الإصلاحيين بمحاولة خلق ما وصفه بأنه “وهم النصر”. وكتب يقول “هيكل نظام إيران الحاكم يضمن ألا يغير فصيل سياسي السياسات الأساسية المتجذرة في جوهر مبادئه”.

وقال محلل في طهران، طلب عدم نشر اسمه، “لنفرض أنه أصبحت لدينا حكومة إصلاحية تتمتع بأغلبية. لا أعتقد أنها ستحدث فارقا كبيرا. فالزعيم الأعلى والحرس الثوري يضبطان الإيقاع والحدود ويحددان الاتجاه العام للبلاد”.

وأضاف “يجب ألا تكون توقعاتنا كبيرة. فالمحافظون لديهم أدوات السلطة. الإعلام والجيش والمخابرات والموارد المالية الفعلية كلها في أيديهم. فهو نظام مزدوج والجانب الآخر ما يزال في غاية القوة”.

7