بعد كل هذا الدم.. لا نريد أبطالا كذبة وأيقونات زائفة

للكتابة تصنيفات عدّة حددها النقاد وضبطوا أحكامها، إلا أن هناك بعضا منها لا يمكن تحديد صنفها نظرا لانفلاتها من القيود وخروجها عن المألوف، كأن يجمّع كاتب ما نشره على حائطه الفيسبوكي في كتاب ويجعل منه مسرحا حرا يقول فيه ما يشاء ويلعب بالكلمات بطريقة ذكية قد تتعب القارئ وقد تشدّه إلى أحداث حقيقية مرّ بها ونقلها بأحاسيس مختلفة عبر صفحات الكتاب.
الاثنين 2016/01/25
من عالم افتراضي إلى عالم حقيقي

صدر حديثا للكاتب السوري عبود سعيد عن دار نوفل- هاشيت أنطوان (2016)، كتاب بعنوان “عبود سعيد”. الكتاب لا يدخل ضمن تصنيف أدبي محدد. هو مجموعة نصوص منتقاة من صفحة الكاتب التي تحظى بنجومية عالية في الـفيسبوك. نصوص ستتأثر بكلماتها كما لو كنت تقرأ شعرا، وستضحك من سردياتها وكأنها مجموعة قصصية، وستهزّ برأسك مبتسما أمام فجاجة خلاصاتها غير المنمقة وغير المحسوبة.

عبود سعيد يكتب نفسه، أو بصورة أدقّ ينتج شخصيته الرقمية عبر “الفيسبوك” ضمن كتابه الجديد، وهو طرح مختلف عن الصورة التقليدية التي نعرفها عن الكُتب وعلامات تجنيسها، وهذا ما يعتبر مغامرة من قبل دار النشر، فالكتاب عبارة عن نصوص كان سعيد قد نشرها سابقا على حائطه الشخصي عبر الفيسبوك، لكن هذه المرة جمعها ضمن كتاب، ما يجعل مقاربة الكتاب جماليا مغايرة عن العادة، فعلامة التجنيس غير موجودة، فهل نحن نقرأ شعرا، أم نصوصا، أم قصصا قصيرة جدا؟ وهل القيمة الأدبية تبقى ذاتها عند اختلاف الوسيط الحامل للنص من ورق إلى شاشة؟

الموضوعة التي تحكم عبود سعيد نصا وشخصا هي الكراهية، السخرية القذرة والسوداويّة، فالأخير كان يقيم في منبج -مدينة في شمال سوريا- ويعمل حدادا، وحين نقرأه، نراه قاسيا فظا، حتى حينما يكون رقيقا نراه يعنّف نفسه وعاطفته بوصفها إن تحركت أو حنّت أو اشتعلت فهي مبتذلة ورومانسية، هو المهمّش والمهزوم الذي خذلته سوريا والمدينة والثورة والناشطون، هو زير ذو مئات من الحبيبات، يفتقد كطفل شقيّ حضن أمّه وأحاديثها، مشتاق لأصدقائه المهمّشين، هو عبود سعيد، الذي “سيكتب قصائده الرديئة وسيجلب إخوته وأولاد عمه وأبناء عشيرته كي يقرأوها رغما عن أنوفهم”.

شبه سيرة ذاتية

مجموعة من النصوص تتأثر بكلماتها كما لو كنت تقرأ شعرا، وتضحك من سردياتها وكأنها مجموعة قصصية

الكتاب وصاحبه متلاصقان، عبود شهد الثورة في سوريا، شهد القمع والخسارات، شهد الطائرات وهي تقصف بلدته، وأثناء حصاره كانت وسائل التواصل الاجتماعي هي ملاذه، الحدّاد صاحب اليدين الخشنتين يكتب كي لا يصاب بالبرد، تواصله مع الخارج كان محكوما بسرعة الاتصال بالإنترنت، وهذا ما يطرح أيضا تساؤلات حول طبيعة الكتاب، فلا يوجد تسلسل زمني لمّا نقرأ، كما أن النصوص مختلفة الطول والطبيعة، فالكتاب شبه بورتريه.. شبه ناقص.. شبه شعري لمراحل متفرقة من حياة سعيد، بين منبج وبيروت وتركيا، وعبر النصوص، الآن والماضي والمستقبل تتداخل جميعها، هلاميّة الزمن تجعل الكتاب غير محكوم بتقنية واحدة للقراءة، بإمكان القارئ فتح أي صفحة من الكتاب ومتابعة حديث سعيد، وكأن القارئ يجلس حقيقة مع سعيد في مقهى شعبي ما، في مدينة ما ليسمع همومه المختلفة، وغضبه، وتأففه من الخذلان، ففي منبج يتهكمون من مهنته كـ“كاتب”، وفي بيروت هو “عامل سوري”، لكن لا بأس، إذ نراه يضحك ويتهكم برغم كل شيء، فالنتيجة دائما: واحد لعبود سعيد وصفر للجميع.

كتاب عبود يعتبر مغامرة، بوصف الحكم الانطباعي نحوه قد يكون حاسما بالسلب أو الإيجاب. لا توجد مرجعية للحكم عليه بوصفه رواية أو شعرا، هو نص، هو صيغة غير محددة، وكأن الشكل الذي يحمله الكتاب أشبه بكراهية للكتابة ذاتها وأعرافها من جهة، وكراهية للحاضر، سخرية بذيئة من الخطاب الذي يحكم سوريا حاليا سواء كان الثورة وأبطالها الوهميين أو النظام وبطشه.

سعيد يبث أحقاده الساخرة في كل ما حوله، هو حقيق، وبسخط المتحذلق لعجـزه عن تغير العالم مـن جهة وشقـاوتـه الشخصيـة، نراه ينهمك في تأملاته الذاتية للهـامش، لتكون الكتابة كالمقلاع، سلاح الأشقياء، كمن يقاتل بـ“بلطة” جيوشا من دبابات وليزر، فنراه يخبط ما حوله، ثم يستريح حذو أمه التي علّمها التـدخين ثـم يسرّ لها بخطاياه.

الحديد يطرق القلب

شهادة صريحة عن تحول البعض إلى إنتهازيين وآفاقيين

الغزل عاطفة العاجزين، سعيد لا يتغزّل، بل ينكش بـ“بلطته” خاصرة حبيبته، وفي الحصار وسيلة التواصل الوحيدة التي كانت لديه هي الفيسبوك، فنصوصه مليئة بالسخط، وحتى الحساسية تجاه الأنثى نراها متفاوتة، بين الرومانسية وبين البذاءة الشعبية فـ“الشعر حجة لألفت انتباهك فقط،/ أنا لا أملك أدنى الأحاسيس،/ الحيوان في داخلي هو من يكتب/ الحيوان في داخلي أجمل من كلبتك”.

وأحيانا تحضر في علاقته مع حبيباته -أو حبيبته- الفانتازيات، العلاقة التي تستمدّ مرجعيتها من وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي فـ“أجمل رسالة (أس. أم. أس.) وصلتني منك تلك التي انتهت بـ(جزء من النص مفقود)”.

موقف عبود سعيد من الكتابة ليس خلاصا فرديا، بل هو مقاربة لظاهرة الكتابة، حتى الكتّاب الآخرون نراهم حاضرين، فهو يناوش معاصريه، أصدقاءه وكارهيه، ففي “عبود سعيد” نرى ذكرا لهردبشت “الشخصية الافتراضية للشاعر السوري لقمان ديركي”، كذلك إشارات للكاتب العراقي حسن بلاسم إذ نقرأ “وحده حسن بلاسم من أراجع أخطائي الإملائية حين أترك له تعليقا”.

نقرأ في الكتاب بعض خيبات الثورة، شهادة صريحة، عن تحوّل البعض إلى أبطال وأيقونات زائفة، كيف أن السائل المنوي الذي يهدر باسم الثورة يفوق كمية الدماء، كيف تخلخلت الثقافة وبدأ الموت يطفو، خيوط دقيقة من الحزن اليومي إلا أنّها لم تعد حزنا، هي فكاهة، هي ضحكة بأسنان صفراء في وجه الابتذال، فلسان سعيد يقول إن كنتم ساقطين فأنا أشدّ سقوطا منكم، أشدّ بذاءة، أوضح، أشدّ جرأة على تعرية جسدي القبيح وأحلامي السطحيّة، مقاربة عبود سعيد للكتابة هي شعرية للهزائم، سرد متقطع لسيرة ذاتية لن تكتمل.

عبود سعيد، سواء شخصا أو كتابا، أشبه بذاك الصديق الذي نرفض الاعتراف بأننا نكرهه، ونحن ملزمون بالتعامل معه لسبب ما نسيناه، لكن لا يمكننا تجاهله، سيصرخ ويقرع أبوابنا، ويسرق حبيباتنا ويغيظنا أنهن يقتبسن مـن شعره، لا مفرّ منه، نستقبله في منزلنا مـرة ثـم ندعو الله ألا نراه مرة ثانية.

عبود سعيد كشامة على الجبين، كشامته التي يمتلكها على جبينه، لا نستطيع إزالتهـ(ـا) لأنها ستترك ندبة، فنحاول تجاهلهـ(ـا)، لكن لا مفر، هي وَسْم لا فكاك منه، لا يوجد حلّ فعبود سعيد لن يكتب بجدية ما لم يتوقف الآخرون عن الكتابة.

14