بعد مئة عام.. هل استطاع المسرح الأردني تأسيس تقاليد راسخة؟

مسرح بدأ في الكنائس جمع المسلمين بالمسيحيين.
الأحد 2021/04/11
المسرح مرآة للذوات ونفسياتها ومشاغلها الوجودية

مع بدء عام 2021 احتفل الأردنيون بالمئوية الأولى من عمر الدولة الأردنية الحديثة، بما يميزها ويخط لها ملامح خاصة في محيطها العربي والعالمي، وخاصة عبر المنجز الثقافي والفني، حيث قدم الأردن للساحة الثقافية العربية الكثير من الفنانين التشكيليين والموسيقيين والأعمال الدرامية والكتاب والشعراء والمسرحيين وغيرهم من النخب التي كانت صوت الأردن المتفرد في منطقة الشرق الأوسط الثرية بالثقافات والمنجزات. ولكن رغم هذه المكانة يظل نصيب المسرح قليلا مقارنة ببقية الفنون، فما هو سبب ذلك؟

لكل فن حكاية تروي ولادته ونشأته في الزمان والمكان. حكاية المسرح في الأردن تبدأ عام 1918 في دير اللاتين بمدينة مادبا، حينما جاء إليها كاهن عربي من بيت لحم بفلسطين يُدعى أنطون الحيحي، وأنشأ جمعية باسم “الناشئة الكاثوليكية العربية” من أهدافها التمثيل المسرحي.

وجد هذا الكاهن في مادبا، مدينة الفسيفساء العريقة، آثار الخراب بادية على الكنيسة ومدرستها، حيث كان الجيش التركي قد استولى عليهما وحولهما إلى مخازن لسلاحه وعتاده خلال الحرب العالمية الأولى، وأخذ أحرار المدينة سجناء إلى الأناضول.

الشرارة الأولى

لأن الحيحي كان صاحب عقل تنويري وفنانا، فقد رأى أن دوره تجاه رعيته ليس خدمتها بالوعظ وإقامة القداس والصلوات فقط، بل بنشر الثقافة بينها أيضا.

رغم أهميتها لم تتمكن المهرجانات المسرحية من خلق حراك مسرحي متواصل، أو ما يُعرف بـ"المواسم المسرحية"، و"الريبورتوار"

ولحسن الحظ كانت البطريركية اللاتينية تتمتع بفلسفة تربوية خاصة بها تفيد بأن الخدمة التي تقدمها خدمة علمية ثقافية، فاستثمر الكاهن تلك الفلسفة وأنشأ جمعيته آنفة الذكر، وتعاون معه الأب زكريا الشوملي في تقديم عروض مسرحية مثّلها طلاب المدرسة، من بينهم روكس بن زائد العزيزي الذي أصبح في ما بعد معلما فيها.

 وتذكر المراجع أسماء بعض المسرحيات مثل “فتح الأندلس” للشيخ فؤاد الخطيب، “الأسير” لمحمد المحيسن، “سهرات العرب” لعثمان قاسم، “صلاح الدين”، “وفاء العرب”، “السموءل”، “ملاك وشيطان”، “عبدالرحمن الناصر”، “خالد بن الوليد”، “دماء في الجزائر”، “واقعة القادسية”، “المعتصم بالله”، “معركة اليرموك”، “ضرار بن الأزور”، “عمار بن ياسر” و”صلاح الدين الأيوبي”، ومن المسرحيات العالمية “هاملت” و”تاجر البندقية” لشكسبير وغيرهما من المسرحيات المترجمة.

ولم يقتصر جمهور تلك العروض على الطلاب، بل كان يحضرها الكبار والنساء مسيحيين ومسلمين، ليستمتعوا بهذا الفن الذي يشخص لهم شخصيات من التاريخ لم يسمع بهم أغلبهم، بحكم ظلام القرون الذي كان يطبق عليهم.

ويُخيل لي أنهم كانوا أشبه بجمهور رائد المسرح السوري أبي خليل القباني، يرتقون قمة “الايكربولس”، حيث يقع الدير، ويفترشون الأرض، النساء متلفعات بجلابيبهن الريفية في جهة، تحف بهن الراهبات، والرجال في الجهة الأخرى يحف بهم الآباء. وحين يبدأ العرض يفتتن الجميع بالتشخيص، وتعلو همهماتهم وصرخاتهم تأييدا للفرسان والشخصيات الخيرة، واستنكارا لغرمائهم وأعدائهم.

إذا، هكذا انبعثت الشرارة الأولى للحركة المسرحية الأردنية في مدينة مادبا، فكانت الكنيسة والمدرسة هما المنارة الدينية والعلمية والثقافية قبل أن تبدأ الدولة بإنشاء مؤسسات خاصة بها تعليمية أو ثقافية. وإذا ما أرخنا لولادة الحركة بتلك الشرارة فإن عمرها اليوم يكون قد بلغ أكثر من مئة عام، ويكون بذلك نشوء المسرح قد سبق تأسيس إمارة شرق الأردن التي نشأت عام 1921.

خمسة عقود

محاولات التجديد ظلت شكلية
محاولات التجديد ظلت شكلية

بعض الباحثين لا يروقه ما أوردناه حول الشرارة الأولى لانطلاق المسرح الأردني، فيكتب أنه ليس مسرحا، أو تمسرحا، حتى وهو يعرض “هاملت” و”تاجر البندقية” لشكسبير، بل إن ما وجد في تلك الفترة فن عرف بفن الحكواتي، وهو أحد الفنون الشعبية التي مارسها العرب، إضافة إلى فن خيال الظل، أو الأراجوز المعروف في كثير من البقاع العربية في تلك الفترة، كمصر والعراق وسوريا وغيرها، وكأن الفنون تولد وهي مكتملة النضوج.

ويؤرخ أصحاب هذا الرأي للانطلاقة الفعلية للمسرح في الأردن بتأسيس “أسرة المسرح الجامعي” عام 1963 على يد المخرج هاني صنوبر وزملائه في الجامعة الأردنية، ثم تأسيس “أسرة المسرح الأردني” عام 1964 التي ضمت معظم الممثلين في ذلك الحين، إضافة إلى أعضاء “أسرة المسرح الجامعي” وغيرهم من المسرحيين.

وبذلك يعطي بعض هؤلاء الباحثين للحركة المسرحية في الأردن عمرا لا يزيد عن خمسة عقود.

حتى لو قبلنا بـ”التسنين” الذي اقترحه أصحاب الرأي الثاني بأن المسرح الأردني بدأ في الستينات من القرن الماضي، فإن هذا يؤهل الفن الرابع في الأردن لتأسيس تقاليد مسرحية راسخة تتمثّل بوجود فرق مسرحية ثابتة تعمل على مدار السنة، لكل منها رؤيتها الخاصة ومنهجها في العمل وبرنامجها السنوي وميزانيتها المالية.

لم يقتصر جمهور العروض الممسرحة التي تقدمها الكنيسة على الطلاب، بل كان يحضرها الكبار والنساء مسيحيين ومسلمين

لكن للأسف لم تتأسس مثل هذه التقاليد حتى الآن، رغم ظهور فرق مسرحية عديدة أبرزها “أسرة المسرح الأردني”، التي مرّ ذكرها، “عمون 74 للتمثيل المسرحي”، “الفوانيس”، “فرقة مسرح المسرح”، “مختبر الرحالة”، “فرقة مسرح الفن” في إربد، “مختبر موال المسرحي”، “مسرح الخيمة”، “فرقة المسرح الشعبي”، “مركز الفنون الأدائية في مؤسسة نور الحسين”، “فرقة المسرح الحر”، “فرقة طقوس” و”مسرح الشمس”.

وقد استمرت بعض هذه الفرق، وتوقف بعضها الآخر لأسباب مختلفة. إضافة إلى وجود كليتين تخرجان متخصصين في المسرح، إحداهما في جامعة اليرموك والثانية في الجامعة الأردنية.

وغالبا ما اقتصر تقديم العروض المسرحية لتلك الفرق عبر المهرجانات السنوية التي تقيمها مديرية الفنون والمسرح، أو التي تنظمها الفرق نفسها، اعتمادا على الدعم المالي الذي تحصل عليه من المؤسسات الرسمية (وزارة الثقافة وأمانة عمان الكبرى) وبعض البنوك والشركات المحلية، مثل: مهرجان المسرح الأردني، مهرجان عمون المسرحي، مهرجان مسرح الطفل، أيام عمان المسرحية لفرقة الفوانيس، ليالي المسرح الحر لفرقة المسرح الحر، وعشيات طقوس المسرحية لفرقة طقوس.

ومن المعروف أن هذه المهرجانات لا تستطيع تقديم أكثر من عرضين لأي مسرحية مشاركة في فعالياتها، وبانتهاء العرضين تصبح المسرحية جزءا من الأرشيف، وإذا كانت محظوظة وجدت من يكتب عنها متابعة صحافية سريعة في نشرة المهرجان أو في الصحف المحلية.

 وتنفرد وزارة الثقافة بشراء مجموعة من العروض المسرحية لتقديمها مجانا للجمهور عدة ليال، لكن ذلك، على أهميته، لا يصنع حراكا مسرحيا متواصلا، أو ما يُعرف بـ”المواسم المسرحية” و”الريبورتوار”.

كما ترشّح الوزارة المسرحية التي تفوز بجائزة أفضل عرض في مهرجان المسرح الأردني لتمثيل الأردن في المهرجانات المسرحية العربية، لاسيما مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي ومهرجان قرطاج المسرحي.

دور المهرجانات

Thumbnail

السؤالان اللذان يفرضان نفسيهما في هذا السياق هما: الأول، هل حققت المهرجانات المسرحية الأهداف التي رسمتها وزارة الثقافة؟ ومنها: رعاية الحركة المسرحية الأردنية والإسهام في تطوير الحركة النقدية المسرحية وخبرات المسرحيين الأردنيين وتنشيط الحياة الثقافية في الأردن والارتقاء بثقافة مختلف شرائح وفئات المجت ونشر وتطوير الثقافة المسرحية، كما ورد في المادة (3) من تعليمات مهرجان المسرح الأردني لسنة 2006؟ الثاني، لماذا لم تستطع هذه المهرجانات أن تؤسس تقاليد مسرحية راسخة، وحراكا متواصلا من خلال “المواسم المسرحية”؟

قبل الإجابة عن هذين السؤالين، نشير إلى أن “مهرجان المسرح الأردني” يُعدّ، تاريخيا، أقدم مهرجان مسرحي في الأردن، وتغير اسمه ابتداء من الدورة الـ22 عام 2015 إلى “مهرجان الأردن المسرحي”، كونه أصبح ذا طابع عربي (بلغ دورته السادسة والعشرين عام 2019) تشارك فيه مجموعة من الفرق العربية، وترافق عروضه، عادة، ندوات نقدية وفكرية وورشات تطبيقية وتقديم شهادات إبداعية.

 ورغم التطور الملحوظ الذي شهده المهرجان في دوراته الأخيرة، فإنه مازال يعاني من بعض الإخفاقات في الجوانب الإدارية واختيار العروض المشاركة وتسمية الضيوف والباحثين والنقاد المشاركين في ندواته الفكرية والنقدية، فضلا عن ضعف إمكانيته المالية.

المهرجانات المسرحية استطاعت إطلاع المتلقي الأردني على التجارب المسرحية العربية والأجنبية وتنشيط الحياة الثقافية في البلاد

ويلي هذا المهرجان مهرجان أيام عمّان المسرحية للفرق المستقلة، وهو مهرجان دولي كانت تنظمه فرقة الفوانيس بمشاركة “الورشة المسرحية” المصرية، وقد بدأ محليا في منتصف الثمانينات وأصبح دوليا عام 1994، وكانت آخر دورة له عام 2012، توقف بعدها إثر إعلان المخرج الراحل نادر عمران استقالته من إدارته ومن رئاسة فرقة الفوانيس، موضحا أنه وصل إلى مرحلة من اليأس. ثم مهرجان ليالي المسرح الحر الدولي، الذي تنظمه فرقة المسرح الحر منذ عام 2006، وتشمل فعالياته تجارب مسرحية بعضها للكبار وبعضها الآخر للأطفال.

وإجابة عن السؤالين اللذين طرحناهما نقول: إنه أولا استطاعت هذه المهرجانات المسرحية، إلى حد ما، توفير فرص أمام المتلقي الأردني للاطلاع على التجارب المسرحية العربية والأجنبية وتنشيط الحياة الثقافية في الأردن وتطوير خبرات المسرحيين، لكنها لم تسهم في تطوير الحركة النقدية المسرحية، والدليل أن من يكتبون عن العروض المسرحية الآن في الأردن لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، وأغلبهم صحافيون يكتبون متابعات وانطباعات تمليها عليهم مهنتهم الصحافية.

ثانيا لم تتمكن هذه المهرجانات من خلق حراك مسرحي متواصل، أو ما يُعرف بـ”المواسم المسرحية” و”الريبورتوار”، ولم تؤسس تقاليد مسرحية راسخة حتى الآن، إلا في حالات نادرة، لكنها في المقابل لعبت دورا في ظهور جيل مبدع من المخرجين والممثلين والتقنيين.

وعلى الرغم من ذلك كان ولا يزال للمسرح في الأردن حضور دائم في المهرجانات والمسابقات المسرحية العربية والدولية، وفاز فيها بجوائز عديدة، نذكر منها، تمثيلا، فوز الفنانة كفاح سلامة بجائزة أفضل ممثلة في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عام 1992، وفوز الشاعر والكاتب عاطف الفراية بالجائزة الأولى في المسابقة الدولية لنصوص المونودراما التي تنظمها هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام عام 2013 عن نصه “اعزيزة”، وفوز الروائي والكاتب المسرحي هزاع البراري بالمركز الأول في مسابقة الهيئة العربية للمسرح (فئة النص الموجه للكبار) عام 2017 عن نصه “زمن اليباب”، وكان البراري قد فاز سابقا عام 2009 بجائزة أبوالقاسم الشابي في تونس عن كتاب له يتضمن ثلاثة نصوص مسرحية.

كما حظي المسرح في الأردن باهتمام الكثير من النقاد المسرحيين والكتاب والإعلاميين العرب، فكتبوا عن تجاربه (عروضا ونصوصا) وعن تاريخه وإشكالياته دراسات ومقالات نقدية كثيرة.

وأصدرت الهيئة العربية للمسرح في الشارقة ثلاثة كتب عنه هي “المسرح في الأردن”، “المختصر المفيد في المسرح العربي: المسرح في الأردن” و”تسع مسرحيات أردنية”، وشخصيا أصدرت حتى الآن ثلاثة كتب عنه أيضا هي “المماثلة والاحتمال: قراءة في تجارب مسرحية أردنية”، “المسرح الأردني في مرايا النقد العربي” و”المسرح الأردني في ربع قرن”.

فن يعالج قضايا سياسية
فن يعالج قضايا سياسية

 

13