بعد مئتي عام عن الرحيل.. نابليون يعود في لوحات حداثية

المعرض يحتوي على أعمال عبر فيها فنانون معاصرون من فرنسا وخارجها عما رسخ في أذهانهم عن نابليون.
الاثنين 2021/06/14
حروب بونابرت برؤى معاصرة

في نطاق الاحتفال بمرور قرنين على وفاة نابليون بونابرت، ينظم متحف الجيش بباريس معرضا فنيا جماعيا يشارك فيه نحو ثلاثين فنانا معاصرا استوحوا لوحاتهم من شخصية هذا القائد العسكري الإشكالي، عنوانه “نابليون؟ مرة أخرى! من مارينا أبراموفيتش إلى يان باي مينغ”.

لا يزال نابليون بونابرت محل جدل منذ رحيله عام 1821. بعضهم يعتبره قائدا ملهما حقّق أمجاد فرنسا ونظم شؤونها الداخلية بفضل القانون الذي يحمل اسمه، وبعضهم الآخر، من خارج فرنسا، ولكن من داخلها أيضا، يكنون له الكراهية لأنه نشر الرعب والموت في بلدان أوروبية وغير أوروبية، ويمقتونه خاصة لإعادة فرض العبودية بعد أن ألغتها الثورة عام 1794. ومن ثمّ فإن الاحتفال بمرور قرنين على وفاة بونابرت لم يكن في حجم ما يتوقعه محبوه من الفرنسيين، رغم الطابع الرسمي الذي حاول الرئيس ماكرون إضفاءه على هذه الذكرى من خلال وضع باقة أزهار على قبر الإمبراطور المهزوم.

ومن بين مظاهر هذا الاحتفال معرض فني أقامه متحف الجيش بباريس لمجموعة من الفنانين، من الفرنسيين أمثال ستيفن كالي، وباسكال كونفير، وهيلين ديلبار، وولوران غراسّو، وداميان دوروبي، ومن غير الفرنسيين كالصربية مارينا أبراموفيتش، والروسي بافل بيبرشتاين، والأميركي جوليان شنابل، والألماني جورج بازليتز، والكندية كابواني كيوانغا، والجزائري عادل عبدالصمد، والصيني يان باي مينغ.

وهذا المعرض الذي يحمل عنوانا أقرب إلى التساؤل الاستنكاري “نابليون؟ مرة أخرى! (بمعنى كَمان؟ المصرية)، يحتوي على أعمال عبّر فيها أصحابها عن موقفهم من الرجل، وبالأحرى ما رسخ في أذهانهم عنه.

ولئن كان نابليون كموتيف حاضرا في فترة حكمه، بريشة فنانين كبار أمثال جاك لوي دفيد، وأنطوان جان غرو، وجان أوغست دومينك إنغر، ثم عند استعادة رفاته عام 1840 في عهد لويس فيليب، في لوحات إرنست ميسّونيي، وإدوار دوتاي على سبيل الذكر، ثم في الأعوام التي عقبت هزيمة 1870 أمام القوات البروسية، كوسيلة لحثّ الفرنسيين على الاقتداء بالقائد “العظيم” للثأر من القوة الجرمانية الصاعدة.

ولكن سرعان ما فقد الموتيف جاذبيته، ولم يعد للظهور إلاّ في مناسبات متفرقة لدى فنانين معاصرين، لا يرومون رسم صورته، بقدر ما يعبّرون عمّا استقر في أذهانهم عنه، بعد أن صار في عداد الغابرين.

وفي هذا المتحف التي يضمّ قاعات لحكام فرنسا من لويس الرابع عشر إلى نابليون الأول، تحفل بحشد من الأسلحة والأزياء ومنحوتات الجنود كآثار تاريخية، لم يكن المكان بالسعة التي يحتمل كل الأعمال المشاركة، ما أرغم مدير المعهد الوطني لتاريخ الفن، إريك دو شاسّي، على توزيعها بين القاعات والأروقة، على طابقين.

المتحف يضمّ قاعات لحكام فرنسا من لويس الرابع عشر إلى نابليون الأول، تحفل بحشد من الأسلحة والأزياء ومنحوتات الجنود كآثار تاريخية

بعضها مثل أعمال سيليا مولر، وجولييت غرين، وبابلو غوسلان، التي تناولت الموضوع بشكل ساخر استطاعت أن تجد لها مكانا مناسبا، بينما ضاقت بالمكان أعمال أخرى كـ”الحصان الجامح” لعادل عبدالصمد، وتنويعات يان باي مينغ للوحة دفيد عن تنصيب نابليون إمبراطورا.

تعدّدت المساهمات وتنوّعت، فإذا كان الدادائي الألماني ماكس إرنست قد أنجز عام 1920 “كولاج” أطلق عليه “القبعة هي التي تصنع الإنسان”، فإن ستيفان كالي شدّته طريقة نابليون في جعل قبعته ذات القرنين رمزا خالدا لشخصيته، فاستفاد من فكرة إرنست في رسم لوحة بها قبعة التشريفات القديمة، إلى جانب قبعة “بوب الشواطئ” الحالية.

من جهته، وضع الأميركي جوليان شنابل قطعة خشب على بكرة كَبل وقاعدة إنسانية الشكل، ثم صهرها في البرونز وطلى أعلاها بالأبيض كي يعطي صورة عن الإمبراطور تقع بين التجريد والتصوير، ويقدّمها كصورة آدمية للسلطة.

أما داميان دوروبي فقد رسم لوحة يبدو فيها رأس يعتمر القبعة الشهيرة مع صور صغرى تمثل فما عليه سحّابة، وعينين خارجتين من دولار، وفي الأسفل سلسلة، وفي ذلك إدانة صارخة لإعادة الاستعباد والاسترقاق التي أذن بها نابليون.

كذلك الكندية كبواني كيوانغا، التي استوحت عملها من قمع قوات القنصل نابليون ثورة العبيد في جزيرة سان دومانغ (هايتي حاليا) عام 1802 من لوحة هايتية يرجع عهدها إلى القرن التاسع عشر، حيث شرائط ورايات تأتلف في تشكيلة تجريدية وزخرفية.

الروسي بافل بيبرشتاين أيضا، وهو الذي خصّص عدة أعمال لمن كانوا ألدّ أعداء بلاده، بدءا بنابليون، ففي اللوحة المعروضة يظهر الإمبراطور خلال حملته على روسيا، حيث تبدو المدينة هي التي تثور عليه.

لم يقتصر المعرض على اللوحات والمنحوتات، بل حضرت الفنون الأخرى كالتصوير الشمسي، كما في مساهمة أنج ليتشا، وهي من جزيرة كورسيكا، مثل نابليون، أو في شريطين أعدّهما الألماني ألكسندر كلوغه، أحد رؤوس الموجة السينمائية الألمانية الجديدة، وفيهما مزج بين إيقونوغرافيا نابليون وموقف بعض الفنانين الألمانيين مثل كتارينا غروس، وجورج بازيليتز من بونابرت كإمبراطور فرنسي، محرّر ودكتاتور، طوباوي ثم براغماتي في الوقت نفسه، وموقعه في تقاطع عوالم قديمة وأخرى جديدة.

وينتهي المسار بفيديو للصربية مارينا أبراموفيتش، وهي تركب حصانا أبيض، في هيئة تذكّر بنابليون على جواده مارنغو، غنيمة الإنجليز بعد انتصارهم عليه في واترلو عام 1815.

16