بعد مقولته "زمن الرواية" جابر عصفور يستأنف "القص في هذا الزمان"

السبت 2014/07/26
الكتاب حلقة ممتدة من حلقات مشروع نقدي طموح، سعى إليه عصفور

القاهرة- “القص في هذا الزمان”، أحدث مؤلفات الناقد المصري جابر عصفور، والذي صدر عن “الدار المصرية اللبنانية”، في 408 صفحات من القطع المتوسط، بغلاف جذاب للفنان عمرو الكفراوي، وفيه يستكمل عصفور دراسته التأصيلية، المراوحة بين التنظير والتطبيق، لفنون السرد المعاصر، وكما قال مقولته الشهيرة “زمن الرواية” من فكرة محورية ناوشته كثيرا، فإن الكتاب الجديد يختلف في أنه عبارة عن استكمال ناضج لترسيخ المقولة وتدعيمها بمزيد من استئناف النظر في “القص في هذا الزمان”، عبر فصوله ودراساته المتصلة المترابطة في سياقها الكلي.

لاحظ جابر عصفور أن تراتبا جديدا أصبح قائما في الأدب العربي المعاصر، بين “أنواع” هذا الأدب، ارتحلت الفكرة من حيز هذا التوصيف النقدي، الهادئ المحايد، إلى نطاق السجال الملتهب، واقترنت قراءاتها بطرائق من التأويل رأت فيها “زحزحة”، وربما “نفيا”، للنوع الأدبي الذي ظل فن العربية الأول لقرون طويلة ممتدة؛ أي الشعر.


التنازل عن العرش


يذهب فلاسفة التاريخ إلى أن التفسير التاريخي لا يتبع منطق السببية العلمية وإنما منطق القصة

تحت عنوان “القص في هذا الزمان” الذي جاء عنوانا جامعا للكتاب وفصوله ومقالاته، استهل عصفور التقديم لكتابه الجديد تحت عنوان “مفتتح”، حمل فكرة الكتاب الجوهرية وبناه على اقتباسات دالة وكاشفة من كتاب “نظرية الأدب” للناقد جوناثان كوللر، تحديدا من الفصل الذي عقده للقص، وأراد من الفقرات التي أوردها من الكتاب “إضافة وجهة نظر جديدة في الزمن الإبداعي الذي نعيشه ونصفه بأنه زمن الرواية، الزمن الذي تخلى فيه الشعر عن عرشه القديم بوصفه أرقى أنواع الأدب، متنازلا عن انفراده التقليدي بقمة التراتب الأدبي إلى غيره من الأنواع المتصارعة في تكافؤ المكانة، بل المتنافسة في شكل جديد من التراتب الذي استبدل بالشعر الرواية”.

إلى جانب هذا الانتقال على مستوى “تحرير” و”بلورة” فكرة “زمن الرواية، التي قادت إلى فحص ودراسة ونقد “القص في هذا الزمان” تأكيدا وترسيخا للمقولة، ليس على المستوى النظري والحجاجي فقط، بل كان هناك انتقال آخر على مستوى “التطبيق” ومقاربة الأعمال السردية، كما وكيفا، عبر تقديم “قراءات نقدية” معمقة في عدد من أهم وأبرز النصوص الروائية، المصرية والعربية، خلال مسيرة الرواية العربية طيلة ما يزيد على قرن من الزمان.


لماذا القص

الكتاب يقدم قراءات نقدية في أبرز النصوص العربية التأسيسية


من هنا تبدو أهمية بل ضرورة النظر في عبارات الناقد جوناثان كوللر الدالة التي استهل بها الفصل القيم الذي كتبه عن القص في كتابه المشار إليه، والتي جاء فيها “كان الأدب، في سالف الزمان، يعني الشعر في المحل الأول، وكانت الرواية بدعة محدثة ألصقت بالسيرة والتاريخ بما لا يجعل منها أدبا أصيلا، وشكلا عاميا لا يرتفع إلى مصاف الدوافع الراقية للشعر الغنائي والشعر الملحمي، ولكن انقلب الوضع في القرن العشرين، وتفوقت الرواية على الشعر، سواء من حيث ما يكتبه الكتاب أو يقرأه القراء، وهيمن القصّ على التعليم الأدبي منذ الستينات”.

أما ولماذا القص؟ فلأنه هو سبيلنا الأساسي في تعقل الأشياء، سواء في تفكيرنا بحياتنا من حيث هي تقدم متتابع يفضي إلى مكان ما، أو في معرفتنا بما يحدث في العالم. إن التفسير العلمي يتعقل الأشياء بوضعها ضمن قوانين، ولكن الحياة ليست كذلك بوجه عام، فهي لا تتبع المنطق العلمي للسبب والنتيجة وإنما منطق “القصة”، بحيث يعني الفهم إدراك الكيفية التي يفضي بها شيء إلى آخر.

وبناء عليه فإننا “نتعقل الأحداث من خلال قصص ممكنة. ويذهب فلاسفة التاريخ إلى أن التفسير التاريخي لا يتبع منطق السببية العلمية وإنما منطق القصة، فلكي تفهم الثورة الفرنسية، مثلا، عليك فهم السرد الذي يظهر الكيفية التي أفضى بها حدث إلى غيره، فالأبنية السردية منتشرة في كل مكان”.

“القص في هذا الزمان” هو أحدث حلقات المشروع النقدي الطموح الذي سعى عصفور من خلاله لإنجاز دراسة شاملة ومحيطة لفن السرد المعاصر، وينقسم إلى جزئين:

الأول اشتمل على “مفتتح” و”تأصيل” بعنوان “ابتداء زمن الرواية.. ملاحظات منهجية”، وهما أشبه بمهاد نظري طويل ومفصل، عالج فيه عصفور عددا من القضايا الإشكالية المتعلقة بنشأة الرواية العربية، وموضوعاتها التي ارتبطت بها وتقاطعها مع غيرها من المسائل المتعلقة بتأصيل نوع أدبي جديد في التربة العربية.

اقترنت القراءات النقدية للأدب العربي بطرائق من التأويل رأت فيها زحزحة للشعر الذي ظل فن العربية الأول لقرون طويلة

أما الجزء الثاني، “قراءات” وهو الجزء الأكبر والأضخم، فيضمّ جانبا من الدراسات المتصلة والقراءات النقدية التطبيقية التي قدمها عصفور لعدد من أبرز النصوص والروايات العربية التأسيسية “زينب” لمحمد حسين هيكل و”عصفور من الشرق” لتوفيق الحكيم و”قنديل أم هاشم” ليحيى حقي، مرورا بأعمال الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال”، ويوسف إدريس ويحيى الطاهر عبدالله وإبراهيم أصلان ومحمد البساطي ويوسف القعيد، وصولا إلى محمود الورداني ومكاوي سعيد، وسحر الموجي.

يمكن القول إن “القص في هذا الزمان” حلقة ممتدة من حلقات مشروع نقدي طموح، سعى إليه جابر عصفور، وما زال يستكمله في دراسة شاملة لفنون السرد العربي المعاصر، رواية وقصة، تنظيرا وتطبيقا، تأصيلا ومقارنة، جنبا إلى جنب كتبه ودراساته الأخرى التي تتبنى نشرها وإصدارها الدار المصرية اللبنانية في السنوات الأخيرة في طبعات مدققة وناصعة، ومنها “نحو ثقافة مغايرة” و”في محبة الشعر”، وطبعة جديدة منقحة ومزيدة من كتاب “غواية التراث” و”دفاعا عن التراث” وكتاب “نجيب محفوظ الرمز والقيمة”، فضلا عن كتاب “زمن جميل مضى”، الذي سجل فيه عصفور جانبا من سيرته الذاتية.

16