بعد نصف قرن من نكسة يونيو.. بيانات المسرح العربي ماذا تبقى منها؟

بيان عاصم محفوظ، رغم رفضه للكلمة الشعرية في المسرح، بدا أقرب إلى قصيدة النثر منه إلى المقاربة العملية لفن المسرح.
الاثنين 2019/11/04
بيانات سعدالله ونوس لمسرح عربي جديد ذهبت أدراج الرياح

منذ نصف قرن، وتحديدا عقب نكسة يونيو عام 1967، بدأت محاولات بعض المسرحيين العرب إجراء مراجعة للأسس والمرجعيات التي يقوم عليها المسرح العربي لتجاوز الخلل الذي ينتابه، فظهرت تباعا جملة بيانات تدعو إلى التخلي عن تلك الأسس والمرجعيات، وإنجاز مشاريع مسرحية تتسم بـ”التأصيل” و”التأسيس”، وتستند إلى روح المجتمع العربي المعاصر، وتراثه الحضاري، وتنهل من المنابع وأشكال الفرجة المسرحية المختلفة التي عرفتها جغرافيات عربية عديدة، وتتحرّر من التبعية لتيارات المسرح الغربي.

ومن أبرز تلك البيانات “بيان مسرحي رقم واحد” لعصام محفوظ (1969)، “بيانات لمسرح عربي جديد” لسعدالله ونوس (1970)، “البيان الأول لجماعة المسرح الاحتفالي” (1979)، “بيان مسرح الحكواتي اللبناني” (1979)، “نحو كتابة مسرحية عربية حديثة” لعزالدين المدني 1981، و”البيان التأسيسي لمسرح الفوانيس” في الأردن (1984).

نادى عصام محفوظ في بيانه المسرحي بتحرير النص المسرحي من معوقات الأدب، ووجّه باتجاه نص العرض الذي يكون فيه للمشهدية البصرية سطوة وطغيان على حساب الكلمة التي تكون جزءا منه. وفي هذا السياق أعلن محفوظ عن وقوفه قبل كل شيء ضد الكلمة الشعرية في المسرح، وضد الحذلقة الذهنية والبلاغة والخطابة والغنائية والفكر وكل ما يقتل الحياة في اللغة المسرحية، ودعا إلى وجوب تصدّر المسرح جميع الفنون، ورأى أن ذلك يتطلب جعله عنيفا، مثيرا، مهيجا، متأثرا ومؤثرا، نافذا كالسهم، عاريا من كل ثيابه القديمة، ومن كل ما يفصله عن الصدمة الضرورية. لكن بيان محفوظ، رغم رفضه للكلمة الشعرية في المسرح، بدا أقرب إلى قصيدة النثر منه إلى المقاربة العملية لفن المسرح.

واتسم سعدالله ونوس، في بياناته، بالمنهجية، رغم اعترافه بأنها رؤوس أقلام، وليدة تجربة قصيرة في الممارسة المسرحية، لموضوعات تحتاج إلى وقفات أطول حتى يستوفيها البحث، ويعمّق ما تمسّ من قضايا وشؤون مسرحية وثقافية، أو فروض للبحث عن مسرح أصيل يعي دوره في بيئته، ويحاول أن يستوعب هذا الدور، ويضطلع به.

وقد شكّل الجمهور الهاجس الأول لونوس، لأنه يعدّه المدخل الأساسي والصحيح للحديث عن المسرح وتبلوره وإشكالاته، لذا دعا إلى أن يقدّم لهذا الجمهور مسرحا شعبيا ملتحما به، نابعا من ظروفه، يشتمل، إضافة إلى المتعة، على فعالية تنمية وعيه، وإدراكه لمصيره التاريخي المشترك، ولمشاكله وقدره الاجتماعي، ووعي حاجاته، وأنماط تفكيره، وطرائق فهمه. وبذلك تنتهي، كما رأى ونوس، واحدة من دوامات التخبط التي يتوه فيها مسرحنا العربي.

وتضمّن بيان المسرح الاحتفالي الأول إعلانا عن ميلاد “جماعة المسرح الاحتفالي”، وقد تداخلت دوافع ظهور هذه الجماعة بالأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، فهي إضافة إلى كونها جاءت استجابة لخصوصيات مرحلة السبعينات، التي أعقبت نكسة يونيو، كما يقول عبدالكريم برشيد، حدّدت مجموعة دوافع لظهورها من خلال استقرائها لواقع المسرح العربي، ورؤيتها النقدية لعناصره الأساسية، وقدّمت بديلها المسرحي الجمالي والمعرفي (الاحتفالية) بوصفه مشروعا تأسيسيا، تأسيس مسرح جديد، وواقع تاريخي مغاير، وإنسان جديد متحرّر نفسيا واجتماعيا وفكريا وسياسيا.

وأمام هذا الطموح الكبير كان على الجماعة أن تعيد ترتيب الكثير من الأوراق، على حد تعبير برشيد، فتتمثل الفن المسرحي في جوهره الحقيقي، وهو، من وجهة نظرها، احتفال اجتماعي شعبي ينطلق من حاجة فطرية عند الإنسان. ومن هنا كان توقفها عند هذا الاحتفال ضروريا وأساسيا.

الجمهور شكل الهاجس الأول لونوس لأنه يعدّه المدخل الأساسي والصحيح للحديث عن المسرح وتبلوره وإشكالاته

وفي سياق رفضها للتجربة المسرحية العربية المقتبسة من تجربة المسرح الغربي، دعت إلى تغيير كل المفاهيم والمصطلحات المتعلقة بالتمثيل والأداء والإلقاء مثل “العرض” و”التمثيل” و”السرد”، وأحلّت محل الأول مصطلح “اللقاء”، وعوّضت عن الثاني بمصطلح “الاحتفال”، واستبدلت الثالث بمصطلح “اللعب”.

وأصدر روجيه عساف بيان مسرح الحكواتي باسم فرقة “مسرح الحكواتي” بعد مرور عامين على تكوينها، مستندا إلى إدراك أعضائها بأن المسرح، بشكله الغربي السائد، في أزمة ومأزق، وأنه قمعي في جوهره، ولا يلبي الحاجة الملحة إلى التعبير، ومن ثم فهو غير مجدٍ ولابد من إحداث قطيعة فعلية معه.

وأشار البيان إلى أن الممارسة المسرحية للفرقة تركّزت حول تغيير نوعية العلاقة مع الإنتاج المسرحي ومع الجمهور. وعلى هذا الأساس فقد تميز عملها التجريبي بالعمل الجمعي، والبحث عن قصة أو حكاية شعبية من التراث والتاريخ، والانطلاق من صور وشخصيات وأحداث واقعية وحسية، وتحويلها فنيا عبر اكتشاف أساليب في الأداء نابعة من ذائقة ومخيلة أصيلتين، وغير ذلك من ميزات.

وبأسلوب برقي حواري، لكنه تعميمي ينزع إلى التفلسف، عرّف عزالدين المدني النص المسرحي، في بيانه أو رؤيته للمسرح، وكأنه العنصر الأول والأخير في الخطاب المسرحي، ووقف على علاقة هذا النص بالحرية، معلنا “إذا لم يكن المرء حرا في نفسه، فهو لا ينجب إلا النص العبودية، وإذا لم يكن حرا في خياله الخلاّق، فهو لا يولد إلا النص الظلام، وإذا لم يكن حرا في معارفه، فهو لا ينتج إلا النص القوالب”.

وركز البيان التأسيسي لمسرح الفوانيس على مجموعة من القضايا الفكرية والفنية، منطلقا من محاولة ربط النور بالظلمة، العتمة بالضوء، والمحلي بالإنساني تشكيلا لإبداع متفاعل ومتعايش مع المختزن من صور عند “أبوالفوانيس”، الذي كشف عن أولويات الواقع وجذوره الممتدة عبر التراث الإنساني العام، والارتباط الوثيق مع المسرح العالمي والعربي والمحلي.

كما وجه البيان النقد لأشكال التعبير المسرحي السائدة في المسرح العربي، ودعا إلى مسرح بديل يجب عليه أن يتغذّى على ما أفرزه وجدان الإنسان عبر تداحر الحضارات، ويطوّر الأدوات الفنية تطويرا يزيد من عمق دلالاتها وشمولها، ويتعلم، باستمرار، بوساطة التجربة والسؤال والبحث، ويعتمد على المسرَحة، والتخلص من سلطة الأدب، والانضمام إلى حقل التمثيل باستخدام لغة المسرح المختزلة، واقتحام مجال التجريب، والتركيز على السينوغرافيا وتشكيل الفضاء المسرحي.

لكن على الرغم من أهمية أغلب طروحات ودعوات هذه البيانات المسرحية، ودورها في تشكيل محفّز ومحرّك لتجارب مسرحية، في مجال الإخراج والتمثيل والكتابة والعلاقة مع الجمهور، تنهل من التراث وأشكال الفرجة المسرحية العربية المختلفة، وتتحرّر من مواضعات المسرح الغربي، فإن تمثّلها، أو حضورها في التجارب المسرحية العربية، باستثناء ما تضمنه بيان المسرح الاحتفالي، وإلى حد ما بيان المسرح الحكواتي، لم يصمد طويلا، بل لم يعد له الآن ذلك الصدى أو التأثير الذي شكّل يوما مطمحا كبيرا لأصحابها.

17