بعد هجرتهم زمن الحرب، مسيحيو جبل لبنان يعودون إلى ديارهم

الخميس 2014/05/22
المصالحة بين الدروز والمسيحيين تطوي صفحة سوداء من الصراع العبثي وتوحد الطوائف تحت راية الوطن الواحد

بيروت – الشروخ العديدة التي تسببت فيها الحرب الأهليّة اللبنانية، مازالت عصية على الالتئام على المستوى السياسي على ما يبدو، غير أنّ علاجها على مستوى البنية الاجتماعيّة اللبنانية، أضحى يتشكل بصور مشرقة، ارتأى صنّاعها أن تكون حمالة لقيم الصّفح والمصالحة، مؤسسة لمستقبل أفضل ينعم فيه اللبنانيّون بالسلام في كنف وطن يعلي التسامح بين مواطنيه على الصراعات السياسية. إحدى هذه الصور المشرقة ارتأت أن يحتضنها جبل لبنان الّذي يحتفي هذه الأيّام بعودة المسيحيين الذين هجروه زمن الحرب.

تسلّم أهالي بلدة مسيحية في جبل لبنان، السبت، منازلهم التي هجروها في العام 1983، على أيدي الدروز في خضم الحرب الأهلية التي شهدها البلد بين سنتي 1975و 1990، ليكونوا آخر العائدين إلى منطقة الشوف، التي يتمتع فيها الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بالنفوذ الأساسي.

وقد تعهد المسيحيون والدروز، في قرية بريح الجبلية اللبنانية، يوم السبت الفارط، بالتعايش معا في سماحة وتسامح بعد مرور سنوات عن انتهاء تلك الحرب القاسية.

وتُعدُّ هذه المصالحة بين سكان هذه القرية وعودة سكانها المسيحيّين إلى ديارهم، من بين ملفات المصالحة الأخيرة، التي سعى عدد من الزعماء السياسيّين والدينيّين إلى تحقيقها منذ وضعت الحرب أوزارها.

وقد كان المسيحيُّون والدروز، يعيشُون جنبا إلى جنب قبل الحرب الأهلية، لكن السكّان المسيحيّين اضطرُّوا للرحيل خلال الحرب. وها قد عاد الآن بعض الأهالي المسيحيين إلى قريتهم ليتفقدوا منازلهم القديمة، تمهيدا للعودة إليها بصفة نهائيّة.

شفيق بشارة، أحد سكان القرية العائدين، قال: «لقد سُعدنا كثيرا بعودتنا، ومازال لدينا أهل وأصدقاء قدامى من بين إخوتنا الدروز بالمنطقة، كنّا نأمل منذ سنوات أن يأتي هذا اليوم الذي نعود فيه إلى ديارنا لكنّ رياح السياسة جرت بما لم نكن نشتهيه».

النزيف الذي خلفته عمليات الهجرة الاضطرارية في قلوب المتضررين لم يكن بالهين لكنه ليس عصيا على الشفاء

ويقول سكان بريح الدروز، بدورهم، إنّ عودة السكان المسيحيين، تُعدُّ بداية لصفحة جديدة بعد طي سجل الماضي.

حيث قال رجل من سكّان القرية الدروز، يُدعى روْزبا أبو علي، “نحن والمسيحيّون نعيش عيشا مشتركا، وإن شاء الله سنسعى إلى أن نتعايش مع الجيل الجديد الذي سيعود قريبا إلى الضيعة.. سنعمل على أن نكون متفاهمين لأنّ الوضع الحاليّ يتّسم بأنّه وضعُ مصالحة. الجيل الجديد لم يكن واعيا بالأحداث التي حصلت، لكن سنتمكّن من فتح صفحة جديدة إن شاء الله”.

النزيف الذي خلّفته الهجرة الاضطراريّة التي شهدتها الحرب الأهليّة، في قلوب المتضرّرين لم يكن بالهيّن لكنّه ليس عصيّا على الشفاء، والمصالحة تتنزّل في إطار هذا الشفاء. شفاء يقول يوسف صوما، المسيحيّ العائد، الذي كان يتجوّل صحبة زوجته وأبنائه بين غرف بيت عائلته القديم في القرية، إنّه يتلخّصُ أساسا في «العودة إلى أرض الأجداد». وقد أٌقيم «احتفال مصالحة بريح»، بمُشاركة؛ رئيس الجمهورية المسيحي الماروني، ميشال سليمان، والبطريرك الماروني، بشارة الراعي، والنائب وليد جنبلاط، ووسط حضور شعبي وسياسي متنوع الانتماءات والطوائف. من جهتها، قالت الوزيرة، أليس شبطيني، “هذا يوم وطني وتاريخي بامتياز، وهو بمثابة العرس الكبير”.

وقال النائب وليد جنبلاط، بدوره، “إننا نطوي صفحة سوداء من صراع عبثي مزق النسيج المجتمعي، وفرّق بين أفراد العائلة الواحدة في هذه القرية الشوفية الوديعة، وها نحن اليوم نفتح صفحة جديدة من العيش المشترك المبني على الاحترام المتبادل للرأي والرأي الآخر، وعلى تثبيت التنوع ضمن الوحدة”.

المناطق التي شملتها المصالحة أصبحت تبعث أملا أساسه التحابب وتنبئ بنفس جديد من التعايش

ورأى بشارة الراعي، من جهته، أنّ “المصالحة السياسية بين الفرقاء اللبنانيين، لا سيما فريقي 8 و14 آذار، تبقى هي الغاية المنشودة والأساس. فمنها تتحدر كلّ المصالحات”، داعيا إلى انتخاب رئيس “يستكمل عمل المصالحة والحوار ويعمل على تقريب وجهات النظر، على أسس الحقيقة والعدالة والإنصاف”.

وكانت الحرب قد بدأت بقتال بين ميليشيات مسيحية ويساريين متحالفين مع فصائل فلسطينية، قبل أن يتسع نطاقها على نحو مروع بعد أن تدخلت فيها سوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى. وقد انتهت الحرب عام ،1990 لتبدأ من ثمّة حقبة من الهيمنة السورية، صدر خلالها عفو عام عن معظم زعماء الطوائف والفصائل المتحاربة الذين تحولوا إلى العمل السياسي.

أمّا الآن، فقد عاد جزء كبير من المسيحيين إلى منطقتي الشوف وعالية بعد 14 سنة من الهجرة، التي اضطرّتهم إليها مجازر مروعة تسببت في مقتل المئات، من خلال مصالحات متتالية تمت في المناطق الحساسة، ومن خلال صندوق وزارة المهجرين الّذي دفع لهم تعويضات لإعادة إعمار منازلهم ومصالحهم التي دمرت في جزء كبير منها.

ورغم أنّ «مصالحة بريح» تأخّرت بسبب بناء مركز للطائفة الدرزية على أملاك مسيحية. إلاّ أنّها باتت ممكنة أخيرا بعد اتفاق تمّ التوصل إليه يقضي بهدم المركز المعروف بـ«بيت الضيعة» وإقامته، بتمويل من الدّولة، على أرض درزية، بالإضافة إلى دفع تعويضات إلى السكان المسيحيين وأهالي الضحايا. كما تمّ، السبت، خلال الاحتفال وضع حجري الأساس لكنيستين دُمّرتا تماما في القرية، تمهيدا لإعادة بنائهما.

13