بعد 25 عاما على ظهور "البحث عن سيد مرزوق": لا يزال القمع مستمرا

يعتبر فيلم "البحث عن سيد مرزوق" (1990) من الأفلام القليلة متعددة المستويات في السينما المصرية، التي تميل عادة إلى المعالجة الدرامية المباشرة، تحسبا لرد فعل جمهور يميل في معظمه، إلى ما يمكن تسميته بـ”الدراما السهلة” التي تتصارع فيها شخصيات ذات أبعاد أحادية واضحة، حول المال أو الملكية أو النساء.
الجمعة 2015/08/28
نور الشريف قامة فنية لن تتكرر

فيلم “البحث عن سيد مرزوق” للمخرج داود عبدالسيد ينتمي إلى سينما الشخصيات والمواقف المركبة ومتعددة الأبعاد، التي يمكن أن تحمل أكثر من معنى، ويمكن رؤيتها من أكثر من زاوية.

وهي عادة شخصيات مربكة، تقتضي من المخرج -وهو عادة المؤلف- التعامل بدقة مع السيناريو، ثم السيطرة الكاملة على عناصر الإخراج: الميزانسين، الكاميرا، الإضاءة، ترتيب قطع الديكور، المونتاج، وبالطبع، الأداء التمثيلي. كما تقتضي من المتفرج اليقظة وإعمال العقل.

فيلم نور الشريف

وكما أن “البحث عن سيد مرزوق” هو فيلم المخرج/ المؤلف داود عبدالسيد، يمكن القول إنه أيضا فيلم الممثل الكبير الذي رحل مؤخرا، نور الشريف. إن بصمات عبدالسيد، الذي يميل إلى هذا النوع من الأفلام التي تتعامل مع مستويات عدة، كما في “أرض الخوف” و”رسائل البحر”، تتضح في تلاعبه بالحبكة، وبأسلوب السرد، من خلال أخذ المتفرج من مستوى إلى مستوى آخر، ومن مكان إلى مكان آخر، دون تصاعد يقود إلى ذروة ما، سرعان ما تهبط إلى “الحل”.

فهنا ليس هناك سرد من هذا النوع، بل مجموعة من المشاهد التي تساهم في تصعيد الإحساس بحالة ذهنية وحالة عامة تفرض نفسها على الأرض، دون أن يكون هناك تفسير جاهز مباشر لكل شيء. وكلما ظن المشاهد أنه تفطن إلى “المعنى” الذي ينتج عن “تصادم” بين الشخصيات، إلّا وسريعا ما يكتشف أنه دخل في منحنى آخر، يمكن أن يمنحه معنى مخالفا.

نور الشريف حاضر في كل مشاهد الفيلم، يتدرج أداؤه مع التطور الذي يطرأ تدريجيا على الشخصية التي يتقمصّها، شخصية المواطن المصري العادي يوسف كمال، في المشهد الثاني نراه يجلس بجوار رجل لا يعرفه في حديقة عامة، يشعر بالسعادة والتحرر من أسر الوظيفة بعد أن تذكر أنه ذهب إلى مقر عمله في يوم العطلة الأسبوعية، وهو يعبر عن فرح طفولي بالتخلص من عبء الوظيفة ولو إلى حين، ولو لم يحدث ما حدث لكان قد عاد إلى بيته كما اعتاد أن يفعل على مدى عشرين سنة، لكنه آثر الاحتفال بالتحرر فوقع في أسر واقع لا يعرفه من قبل، يراه وكأنه يكتشف عالما آخر هبط إليه فجأة.

نور الشريف يبرع في تطويع أدائه حسب مراحل تطور الشخصية، من البراءة وصولا إلى التحرر والإفاقة

سنكتشف بعد ذلك أنه رجل وحيد تماما في هذا العالم، وكأنه طفل يخرج من الرحم للمرة الأولى إلى الدنيا. في ذلك اليوم الذي سيمتد حتى صباح اليوم التالي، سيخوض يوسف كمال “محنة الحياة”، حيث يلتقي بفتاة كان يحلم بأن يقابلها، لكن في اللحظة التي يتصور أنه وجدها سرعان ما يفقدها، وكلما اعتقد أنه أصبح يعرف اسمها، إلّا واكتشف أن الأمر كذبة كبيرة مستمرة.

سيلتقي بمهرج يرتدي ملابس شبيهة بملابس الصعلوك “شارلو”، ويقلد شابلن في حركاته، وهو يعتقد أنه يقدم فنه للناس من خلال “البيانولا” التي انتهى زمانها، لكنه أيضا يقدم عروضه في شوارع خالية لجمهور لا وجود له.

شخصية أسطورية

الأهم بالطبع أن يوسف سيلتقي بسيد مرزوق… إمبراطور المدينة غير المتوج، الذي يسيطر تماما على عالمها وناسها ومنافذها، بعد أن تمكن من العثور على مفاتيحها.

سيد مرزوق يتحرك ويتألق ويحتفل بالحياة في الليل، تماما مثل الكائنات الأسطورية، وفي تكوين شخصيته شيء أسطوري غريب كذلك، فهو صاحب جاذبية خاصة، له سحره وتأثيره المنوم على الآخرين، يحاضر يوسف عن الحياة وعن المدينة وعن الشعور بالمتعة، يغويه بالدخول إلى عالمه، يرتاح لسلبية يوسف وكونه مجرّد “مستمع″ فقط، لا يشارك في الحديث.

إنه كائن “أبيقوري” يتلذذ بالتهام الطعام وتناول الشراب وتعاطي المخدرات، يصطحب امرأة ريفية لعوبا يتعامل معها كما لو كان يتعامل مع قطعة من الأثاث. يقول عنه ضابط المباحث ليوسف إن قلائل هم الذين رأوه وهو نائم، فهو عادة لا ينام كثيرا… تغني له المرأة الريفية الأغاني القديمة بصوت رديء، صحبة ثلاثة عازفين للعود والناي والأكورديون من العجائز ذوي الأسنان المهشمة… مع سائق يسير بالسيارة وكأنه تحت تأثير المخدر.

يقع يوسف خلال ليلة واحدة في حب منى تلك الفتاة الغامضة، ويكون قد قابل المهرج، ثم سيد مرزوق وضابط المباحث، والكيميائي الذي أنجبت زوجته للمرة الأولى طفلا غير مكتمل، ولأنه لا يملك تكاليف الحضانة فحوّل غرفة في بيته إلى حضانة، بعد أن عزلها وعقمها، ثم يصبح هدفا لمطاردة الشرطة في ليلة بدا فيها أن العالم يتداعى من تحت أقدامه، ولديه رغبة وحيدة هي أن يعود إلى بيته، لكنه يعجز.

داود عبدالسيد مبدع لدراما متعددة المستويات

لا يقوم بناء الفيلم على تداعيات من عالم الأحلام والكوابيس أو الهواجس والهلوسات البصرية، لكن السرد يتدفق بشكل طبيعي عبر يوم وليلة، من خلال إيقاع سريع ومشاهد متنوعة في المكان، تتراكم لتمنحنا شعورا كابوسيا، ومع التقدم في السرد يغلب الليل النهار، وتبدأ مطاردة يوسف وكأنه شخصية من عالم كافكا.

هو الذي اختار طواعية أن يلازم بيته لا يغادره في المساء منذ أن تورط في السير ضمن مظاهرة للطلبة، وتلقى تحذيرا شديدا من رجل يصفه وكأنه يصف الشيطان نفسه. إنه يجد نفسه متهما في جريمة لم يرتكبها، جريمة غامضة، وكلما تمكن من الخروج من مأزق، سرعان ما يقع في مأزق آخر.

يعتبره ضابط المباحث مجرد حيلة صغيرة يقتفي من خلالها أثر الإمبراطور سيد مرزوق، فالضابط لا يهتم أصلا بفك السلسة التي تربطه بالكرسي، إذ نرى يوسف يسير مربوطا إلى الكرسي، ثم يركب سيارة الشرطة والكرسي يتدلى خارج النافذة في مشهد سوريالي، إلى أن يكتشف أن التخلص من القيد لم يكن يستحق كل تلك المعاناة، لقد ابتلعه الخوف وسيطر عليه تماما.

السيطرة والسلطة

على الصعيد الواقعي إن سيد مرزوق مليونير كبير من طبقة رجال الأعمال، يمتلك فيلا كبيرة، لا يهمه المال، فهو مثلا يهدي سيارة جديدة ليوسف، يخدمه الآخرون وهم خاشعون في رهبة، بل إن ضابط المباحث يعمل له ألف حساب، ويهتم بحمايته.

إنه “الغول” الحقيقي الذي يملك السيطرة ويعرف جيدا قواعد لعبة السيطرة، وهو يعطي درسا ليوسف حول التركيب الطبقي في المجتمع، فيقول له إن هناك أربعة أصناف من البشر: المسيطرون والبؤساء والمشاغبون والذين يريدون أن يشاغبوا، ويسأله أين تريد أن تكون؟ مع البؤساء؟

يبرع نور الشريف في تطويع أدائه حسب مراحل تطور الشخصية، من البراءة الأولى والحلم بالحب، فالانبهار بشخصية سيد مرزوق، ثم الصدمة، وصولا إلى التحرر والإفاقة من حالة الخنوع مع طلوع نهار اليوم التالي عندما يقرر أن يقبض على مصيره بيده. وهو يجد سيد مرزوق في كل مكان: في النادي حيث يشاهد رجال الضفادع البشرية يخرجون رجالا غرقى من مياه النيل، سندرك في ما بعد أنها أصبحت ظاهرة في الواقع الجديد، ظاهرة المنتحرين غرقا. ويجده كذلك في الصحراء قرب الهرم، حيث يعثر على من يشوي له خروفا ويعد له خيمة خاصة يتناول فيها الطعام ويدعو يوسف لمشاركته شرب الخمر، ثم في النيل على ظهر مركب يقفز منه لكي يوقف سفينة ضخمة بإشارة من يده، ليصعد على متنها بحثا عن تليفون يخاطب به شخصية مجهولة، يختفي حينا ويترك سيارته ليوسف، ثم يظهر فجأة داخل قسم الشرطة.

فيلم داود عبدالسيد عمل مكثف، يمتلئ بالرموز والدلالات التي ترتبط بفكرة القمع الإنساني والاضطهاد الطبقي والسلطوي، والتعاون بين السلطة والثروة

يتعرض يوسف أيضا لانتهاك البراءة على يد فتاة ليل تصطحبه إلى مسكنها، ثم تبلغ عنه الشرطة. وربما تكون هذه الشخصية هي الوحيدة الزائدة في الفيلم، فهي لا تضيف شيئا إلى البناء والحبكة، بل تربك المشاهد قليلا بعد أن تتطوع بالإبلاغ عنه، ثم تدفعه دفعا للهرب قبل حضور الشرطة.

ولا شك أن يوسف الذي يتعرض للمطاردة طول الليل يذكرنا -على نحو ما- ببطل فيلم سكورسيزي “بعد ساعات العمل” (1985)، غير أن فيلم داود عبدالسيد يبدو أكثر عمقا وطموحا، فعلى حين كان فيلم سكورسيزي فيلما من أفلام الإثارة الكابوسية، يعتبر فيلم داود عبدالسيد عملا احتجاجيا ضد القمع والاضطهاد رغم انتقاله بين الواقع وما هو خارج الواقع. إنه يبدأ على نحو غامض، يخلع صفات ميتافيريقية على سيد مرزوق كما لو كان يجمع بين الله والشيطان، بين السلطة والمال، الرقة والقسوة، بين الشهامة والكرم إلى حدّ البذخ، كما يليق بمقامر يغترف من متع الحياة دون حساب، وبين النذالة حتى أقصاها، فهو لا يتورّع عن الإبلاغ عن يوسف واتهامه بصدم المهرج بسيارة مرزوق، ثم الفرار.

ومع تطور السرد يتخذ سيد مرزوق أبعادا أكثر واقعية، فهو نموذج للثروة التي تتحكم في السلطة، ولكنه يمتلك أيضا القدرة على استشراف ما هو آت من انهيار قريب، فهو يستعد قرب النهاية لمغادرة البلاد قائلا ليوسف إن هناك خمسين مليون مصري قد فروا بالفعل إلى الخارج، ويترك محتويات قصره لأصحابه من الفقراء ينهبونها، ويمنح يوسف مسدسه ليصوبه محاولا قتل سيد مرزوق، إشارة إلى أنه قد انتقل من طبقة البائسين إلى المتمردين، بعد أن أصبح يملك مصيره بيده.

ومع ذلك يفشل في قتل سيد مرزوق عندما يكتشف أن المسدس خال من الرصاص، فسيد مرزوق لا يموت، وينتهي الفيلم باللقطات الختامية لرجال الشرطة بالكلاب البوليسية والمصفحات تزحف في شوارع المدينة.

فيلم داود عبدالسيد عمل مكثف، يمتلئ بالرموز والدلالات التي ترتبط بفكرة القمع الإنساني والاضطهاد الطبقي والسلطوي، والتعاون بين السلطة والثروة، وما يتعرض له الإنسان البسيط من قمع لا يعرف له سببا.

وتعد المشاهد المصورة داخل مقر الشرطة من أكثر المشاهد جرأة في السينما المصرية، فهي مشاهد موحية، بإيقاعها ولقطاتها البسيطة، تعبر ببلاغة وفي سخرية، عن “الخوف” الذي يسيطر على الناس، وهي حالة مستمرة بعد انتهاء الفيلم فلا أحد يعرف ماذا سيحدث ليوسف كمال.

ومن دون ثنائية التمثيل رفيع المستوى بين نور الشريف (في دور يوسف) وعلي حسنين (في دور سيد مرزوق)، لم يكن ممكنا أن تتحقق متعة الإحساس بالأداء، ولعل من غرائب القدر أن يغادر كل من نور الشريف وعلي حسنين الحياة في يوم واحد!

16