بعد 6 سنوات من ثورة يناير.. القوى السياسية تدير ظهرها للشارع

الآن، وقد مضت 6 سنوات على تفجر ثورة 25 يناير في مصر، يشرع لنا التساؤل أين القوى السياسية التي أسهمت في صنع تلك الثورة؟، والحقيقة أن المتابع للشأن المصري لن يحتاج إلى جهد كبير ليدرك أن تلك القوى، إما أنها تصارع من أجل البقاء وتعاني التفتت والانقسام، وإما أنها باتت على شفا الانهيار والاندثار. ويرجع المراقبون هذا المصير الذي آلت إليه هذه القوى إلى عدة عوامل، على رأسها الوضع السياسي العام، الذي لا يسمح بوجود أي بيئة حاضنة لازدهار ونمو العمل السياسي.
الجمعة 2017/01/20
مطالب لم تتحقق

القاهرة – بعد أن استطاعت القوى السياسية في مصر، قبل أعوام قليلة، حشد الملايين من المواطنين في الشارع، ونجحت في الإطاحة بنظامي مبارك والإخوان، سرعان ما تراجعت خطوات عديدة إلى الوراء، ولم يبق لها تأثير يذكر عند المواطن المصري.

ولا تختلف حالة الضعف التي أصابت القوى السياسية المصرية، بين أيديولوجيا بعينها، فالجميع أصابهم الضرر، بمن فيهم جماعات وتيارات الإسلام السياسي، التي دخلت مرحلة الانقسام الذاتي والتفتت، إثر لجوئها إلى العنف والتحريض، وكذلك الحركات الثورية والشبابية، التي تصدرت المشهد في أعقاب ثورة يناير، إلى درجه انعدام تأثيرها وأدوارها في الفترة الحالية.

أما الأحزاب، فأنهكتها الصراعات والانشقاقات الداخلية، سواء الأحزاب التاريخية، أو تلك التي تأسست بعد الثورة، الأمر الذي شغلها عن الشارع، فانشغلت عنه وبات تواجدها فيه إلا عند الاستحقاقات الانتخابية، وهو ما أنعكس على نتيجة البرلمان الأخيرة، والتي سيطر عليها المستقلون، دون أن تكون هناك أغلبية حزبية بداخله.

الخلافات الحزبية

على الرغم من أن حزب الوفد الليبرالي، كان إحدى القوى المؤثرة في ثورة يناير، إلا أن الخلافات والصراعات داخله تصاعدت خلال العامين الماضيين، واشتدت سخونة المعركة بين السيد البدوي رئيس الحزب وتيار إصلاح الوفد، الأمر الذي دفع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى التدخل في محاولة منه لرأب الصدع داخل هذا الحزب التاريخي.

الصراع داخل الحزب أخذ مسارا آخر، بعد إعلان تيار الإصلاح المنافسة في انتخابات مجلس النواب الأخيرة، بقائمة موازية لقائمة الوفد، ما فجّر الصراع، وأدخل الحزب في دوامة الانقسامات، الأمر الذي تسبب في فشله في تحقيق نجاح يوازي قيمته قياسا لأحزاب صغيرة ناشئة.

وتكرر الأمر ذاته مع حزب المصريين الأحرار، أكثر الأحزاب تمثيلا داخل البرلمان، والذي يعد ابنا شرعيا لثورة يناير، وأول حزب تم تدشينه بعد نجاحها، إذ ظهرت ذروة الصراع بين أطرافه الداخلية للعلن الشهر الماضي، بعدما أقصى الدكتورعصام خليل رئيس الحزب الحالي، المهندس نجيب ساويرس، رجل الأعمال ومؤسس الحزب، ما أدى إلى توالي الاستقالات داخل الأمانات العامة بالحزب.

وبحسب مراقبين، فإن حزب المصريين الأحرار، كان الأكثر قدرة على التأثير في الشارع المصري خلال العامين الماضيين، وحاول أن يشكل معارضة قوية داخل البرلمان، إلا أن ذلك اصطدم بمواقف عدد من نوابه الذين رفضوا القيام بهذا الدور، إما لأسباب تتعلق باستخدام المال السياسي في جذب أسماء لديها القدرة على التأثير والنجاح، رغم اختلاف أيديولوجياتهم السياسية، وإما لقرب البعض منهم من الحكومة، بشكل أو بآخر.

وبالنسبة إلى أحزاب التجمع والكرامة والجبهة الديمقراطية، وهي أحزاب ذات توجهات سياسية متباينة وكانت لها أدوار بارزة في الحشد ضد نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك وشهدت الاجتماعات المنظمة للتظاهرات في 25 يناير، فإنها إما انصهرت في أحزاب أخرى نشأت بعد الثورة، وهو ما حدث مع حزب الجبهة الديمقراطية، أو اندمجت في تحالفات مع أحزاب أخرى، لعدم قدرتها على التأثير مثلما جرى مع حزب الكرامة، أو انقسمت كما حدث مع حزب التجمع اليساري.

الوصول إلى السلطة

أكد أحمد عزالعرب، الرئيس الشرفي لحزب الوفد، أن السبب الرئيس في ضعف الأحزاب يرجع إلى فقدان الأمل في الوصول إلى السلطة، وهو أمر يرتبط بالخيبة التي أصابتها عقب نجاح ثورة يناير، بعد إدراكها لحجمها الطبيعي في الشارع، بعيدا عن الحالة الثورية ونزول المواطنين إلى الشوارع والميادين رغبة في التخلص من النظام القائم في ذلك الوقت، وليس تأييدا لخطواتها.

مصطفى علوي: عدم وضع أسس سليمة، أدى إلى الانهيار الملحوظ في القوى السياسية

وقال في تصريحات لـ“العرب” “الأمر ارتبط أيضا بمواقف القابعين على سدة الحكم في مصر، سواء قبل ثورة يناير أو بعدها، إذ أنه جرت محاولات عديدة لتفتيت الأحزاب وإضعافها، لكن ذلك لا ينفي تفرغ الكثير من القوى السياسية للخلافات الداخلية، للقفز على رأس القيادة، رغبة في تحقيق أمجاد سياسية شخصية، بعيدا عن المصلحة العامة”.

وأوضح أن العامل الأكبر في ذلك، يرتبط بسيطرة رأس المال على الأحزاب، ودخول رجال الأعمال إلى العمل السياسي، ما قضى على فكرة الانتماء السياسي والأيديولوجي للحزب لصالح الأموال، وهو ما عكسته كثرة تنقلات العديد من الكوادر السياسية بين الأحزاب خلال الفترة الماضية.

وما تعرضت له الأحزاب انتقل إلى الحركات والقوى الثورية، إذ أنها بفعل حداثة نشأتها، وعدم وجود كيان مؤسسي يحافظ على بقائها، اختفت تقريبا من المشهد السياسي المصري، فحركة “6 إبريل” الأشهر والأبرز منذ ثورة يناير، عانت من الانشقاق عقب نجاح الثورة، بين جبهتي “أحمد ماهر”، و”الجبهة الديمقراطية”، رغم ظهور بوادر لتقريب وجهات النظر بين الجبهتين بين حين وآخر، إلا أنها آلت إلى الفشل.

ثم جاءت ثورة 30 يونيو 2013، لتكتب كلمة “النهاية” بالنسبة إلى الحركة، ففريق أعلن تأييده لخارطة الطريق التي تم إعلانها في 2013، بينما اتخذت جبهة أحمد ماهر مؤسس الحركة مسارا معارضا للسلطة، وانتهى به الأمر داخل القضبان، بتهمة خرق قانون التظاهر، قبل أن يتم الإفراج عنه مؤخرا عقب انتهاء فترة عقوبته.

اللجوء إلى العنف

لم يسلم تيار الإسلام السياسي من التخبط، حيث غرق في صراعات عديدة عقب ثورة 25 يناير، تطورت كثيرا بعد ثورة 30 يونيو، إلى درجة يمكن معها القول إن كل مكونات التيار باتت في صراع دائم، ثم انخرطت في مخططات القتل والشغب والعنف، التي تبنتها البعض من الخلايا الإرهابية المنبثقة عنها.

وعلى صعيد تنظيم الإخوان، يتصارع الآن جيل “الشيوخ” من الإخوان مع الشباب، حيث يتهمهم الشباب بالمسؤولية عن الأزمات التي وقعت للتنظيم بعد ثورة يناير 2011، والتي بدأت مع إصرار القيادات على خوض الانتخابات الرئاسية، رغم وعودهم السابقة بعدم ترشيح أحد من الإخوان، فضلا عن اشتعال صراع آخر حول نهج التعامل مع السلطة في مصر، حيث طالبت فئة من الشباب المتعصب بالانخراط في العنف ضد الدولة.

وتساقطت هالة القوة البشرية، التي رسمتها التيارات السلفية لنفسها بعد ثورة 25 يناير، إذ أنه بعد سقوط حكم الإخوان، انقسمت السلفية بين جماعات عادت لممارسة الدعوة سرا ورفض العمل السياسي، وأخرى تمسكت بالعنف وهربت إلى قطر وتركيا، لتقود العنف من هناك، بالإضافة إلى وجود طرف ثالث وقف إلى جانب الدولة تمثل في حزب النور، إلا أن تأثيره ظل محدودا أيضا.

قال مصطفى علوي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة لـ“العرب”، إن عدم وضع أسس سليمة لتأسيس حياة سياسية ديمقراطية عقب ثورة يناير، أدى إلى الانهيار الملحوظ في القوى السياسية المصرية، فالسماح للأحزاب بالتأسيس عن طريق الإخطار بشرط توفر 5000 عضو مؤسس فقط، أحدث سيولة في عدد الأحزاب الموجودة، دون التركيز على مدى قوة وفعالية تلك الأحزاب وضمان تأثيرها.

وأضاف أن ضعف ركائز الأحزاب المصرية، أفضى إلى عدم وجود أساس حزبي داخل البرلمان، وبالتالي انعكس ذلك على الحياة السياسية بشكل عام، كما أن انقضاء 6 سنوات دون وجود حياة سياسية محلية، تسبب في عدم إفراز كوادر سياسية جديدة، تستطيع أن تتواجد بقوة في الشارع.

وذهب الأكاديمي المصري إلى عامل آخر، يفسر ضعف الأحزاب السياسية، وهو غياب الخبرات في التعامل مع البيئة السياسية المنفتحة عقب ثورة يناير، وهو ما تسبب في خسارتها العديد من المعارك السياسية، ما أضعف شعبيتها.

7