بعشيقة في العراق ترفع كؤوس العرق نكاية في الدواعش

بلدة بعشيقة تُعرف بتنوعها الإثني والديني كما أنها كانت شهيرة بإنتاج العرق من التمور بطعم اليانسون قبل أن يغادرها المسيحيون.
الأربعاء 2020/10/21
بلدة تعرف طعم العرق منذ القديم

بعشيقة (العراق) –  لا يزال سعد حسين، وهو يزيدي عراقي، يصنع شراب العرق الكحولي من التمور المحلية بنكهة اليانسون. أصبح حسين أحد أواخر من تبقوا من منتجي هذا المشروب في محافظة نينوي بشمال العراق.

اضطر الرجل الذي يبلغ من العمر 42 سنة إلى الفرار من بلدته بعشيقة، قرب الموصل، بعدما سقطت في أيدي مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014، لكنه عاد بعد هزيمة المتشددين وطردهم ليفتح من جديد معمله الصغير.

وعرفت بعشيقة بتنوعها الإثني والديني كما أنها شهيرة بإنتاج الكحول. ويعد إنتاج العرق بطعم اليانسون من أبرز منتجاتها في السابق، يقول حسين عن نشاطه في صناعة العرق بأنه جزء من التراث أوشك على الانقراض.

وقال إن “صناعة العرق من المهن التراثية التي انقرضت تقريبا ولم يعد (هناك) من يصنعها في المنطقة”.

وأضاف “أنا أحب هذه المهنة وأشتغل فيها منذ زمان، واليوم أريد أن أعود إلى مهنتي القديمة وأحميها من النسيان”.

ويأمل حسين في تعريف شريحة عمرية جديدة بالمشروب الذي يصنعه، بعد أن فر معظم المسيحيين واليزيديين العراقيين الذين كانوا يمثلون غالبية الزبائن الراغبين في اقتناء بضاعته.

واليزيديون أقلية دينية قديمة تجمع بين معتقدات من الزرادشتية والمسيحية واليهودية والإسلام. وتعرضوا لاضطهاد وحشي على يد تنظيم الدولة الإسلامية الذي كان يعتبرهم من عبدة الشيطان.

يملأ حسين أوعية ضخمة زرقاء اللون بالتمور ويضيف الماء ويقوم بعملية التقليب، بعدها يضع المزيج في إناء محكم الغلق لتسخينه وتقطير الكحول.

وتدخل في صناعة المشروب الروحي البعشيقي التمور وبذور الحبة الحلوة والمياه العذبة، فضلا عن بعض النكهات الطبيعية كالتفاح.

وأوضح أن هذه طريقة قديمة تُستخدم في المدينة منذ عقود. وأضاف أنه “لما كان إخواننا المسيحيون يعيشون بيننا كان الطلب على هذا المشروب كثيرا، لكن بعد أن هاجروا بسبب الدواعش تراجع الطلب وباتت تجارتنا كاسدة”.

صناعة العرق من المهن التراثية التي انقرضت تقريبا
صناعة العرق من المهن التراثية التي انقرضت تقريبا

يقول حسين إن ما يميز العرق عن غيره من المشروبات أنه نادرا ما يُشرب وحده في الجلسات أو السهرات، بل إنه رفيق ملازم لجلسات العشاء والشواء والمكسرات وغيرها من الأطعمة. وأضاف أنه يتم تمديد العرق بالماء النقي وإضافة الثلج إليه بعد التمديد. أما كمية العرق التي تضاف إلى المياه التي يمزج بها فهي تختلف حسب الأذواق، فكلما مزج العرق بالماء بنسبة أكبر خفت حلاوته ومذاقه.

ومن الطقوس الأخرى الملازمة للعرق هي عادة الشرب بكؤوس مختلفة فلا يعاد صب العرق في نفس الكأس مرتين، إذ يتم استبدال الكأس بآخر نظيف، وهذه عادة درج عليها عشاق العرق.

وأغرقت المشروبات الروحية المستوردة السوق، التي كانت ضخمة في السابق إلى الحد الذي سمح بوجود الكثير من معامل التقطير المحلية الصغيرة.

ومن زبائن حسين غزوان خيري الذي قال وهو يغادر المعمل حاملا معه زجاجة من العرق “أفضل شراء العرق البيتي لأني أعرف مصدره، وأعرف المواد التي يصنع منها سعد عرقه، كما أنه يمتاز بنكهة طيبة لا تجدها في العرق المصنوع في المعامل (الأخرى)”.

وقال حسين إن العرق الذي يصنع في البيت يختلف عما توزعه المصانع اليوم.

ويصنع العرق في بلاد الشام من العنب بشكل خاص ويمكن صناعته من أنواع أخرى من الفواكه كالتمر والتين.

ويفضل العراقيون مشروب العرق على بقية المشروبات الروحية الأخرى، يقول عبدالمحمود إن “العرق يجمع العائلات والأصدقاء على أشهى المأكولات والفواكه خاصة مساء الخميس، كما يجمعنا على الموسيقى والغناء والرقص خاصة في الاحتفالات، العرق هو الحياة التي أراد الدواعش حرماننا منها”.

ويسمي العراقيون مشروبهم المفضل بـ”حليب السباع”، فحين يضيفون إليه الماء يتغير لونه ليشبه الحليب. كما أنه مشروب الرجال الشجعان، حتى أن البعض منهم يسخرون من شاربي البيرة والنبيذ، فهم كأنهم مبتدئون في شرب الكحول، لكن النساء في العائلات المسيحية واليهودية يشاركن في جلسات العرق ويشربن منه كؤوسا قليلة.

ويعتقد بعض المغرمين بشرب العرق، وخاصة منهم كبار السن، أنه علاج تقليدي لأمراض القلب، لكن مع ذلك لا نجده في الصيدليات، غير أن تجارب الأجداد الذين اعتادوا المداواة بالأعشاب يعتقدون أن فوائده كثيرة.

العرق يُصنع في بلاد الشام من العنب بشكل خاص
العرق يُصنع في بلاد الشام من العنب بشكل خاص
نكهات طبيعية متنوعة
نكهات طبيعية متنوعة
"حليب السباع"
"حليب السباع"

 

20