بعض من سيرة ميشيل كيلو مع "المعارضة السورية"

ميشيل كيلو استحق مكانته كعلم من أعلام المعارضة وكمثقف شجاع وكمفكر نقدي يستعصي على الغياب بحيث بات قبلة كثيرين داخل سوريا وخارجها وكصاحب رأي حر.
السبت 2021/04/24
جرأة في مواجهة السلطة

بداية فقد وضعت كلمتي “المعارضة السورية” بين مزدوجين، كنوع من تحفّظ، أو بهدف التوضيح، لأن تلك التسمية هي دلالة على أجسام عديدة واسعة، إذ لا تقتصر على ما يسمى “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية”، أي الجهة التي تحتكر تمثيل المعارضة رسميا والتي تأسّست بمداخلات إقليمية، وليس نتيجة لحراكات قوى المعارضة السورية التاريخية والمعروفة، والتي باتت تحرص على تغطية مداخلات تركيا وتمثل مصالحها في الشأن السوري، أكثر بكثير ممّا تحرص على سلامة مسار ثورة السوريين وتمثل مصالحهم.

التوضيح يتعلق أيضا بغياب كيان سياسي جامع يمثل المعارضة الحقيقية التي تمثل مصالح أغلبية السوريين، ذلك أن النظام الذي حكم البلد لأكثر من نصف قرن (في عهد الأسدين)، احتكر السياسة وصادر الحريات وحرم الأحزاب السياسية (إلا ما تم تدجينه في ما يسمى الجبهة الوطنية التقدمية)، لذا فقد كان من الطبيعي أن افتقاد الحراكات الشعبية السورية لقيادة أو لكيان سياسي جامع ومجرّب يعبّر عنها ويمثلها ويدير كفاحها من أجل التغيير نحو دولة المؤسسات والقانون وحقوق المواطنة والنظام الديمقراطي.

ميشال كيلو كان يشكل قيمة رمزية بحد ذاته

وعليه، فقد يمكننا تفسير المكانة المتميزة التي استحقها ميشيل كيلو الإنسان والمثقف والمناضل الذي غادر الدنيا قبل أيام، في المشفى في منفاه الفرنسي، إذ ثمة كثر لا يدركون بأن هذا الرجل لم يتبوأ أيّ مكانة قيادية في الكيانات السورية المعارضة، ولا كان مقرراً في مساراتها أو خياراتها. وضمن ذلك فهو لم يكن في تشكيلة المجلس الوطني السوري الذي تشكل كقيادة للمعارضة (أواخر 2011)، ولم ينضو في “الائتلاف الوطني” الذي خلف الكيان السابق (أواخر 2012) إلا في ما يسمى “التوسعة” (صيف 2013)، ولكنه بعد ثلاثة أعوام قدم استقالته منه، بعد أن يئس من إمكانية إصلاحه، وعبّر عن ذلك علنا في وثيقة أصدرها مع مجموعة من رفاقه (أواخر العام 2016) عنوانها “نداء إلى شعبنا السوري.. وجهة نظر نقدية لتصحيح مسارات الثورة السورية…”، وقّع عليها المئات.

ففي تلك الوثيقة التي توضّح مواقف ميشيل كيلو تم التأكيد على ضرورة “قطع” المعارضة السورية “مع عديد من الأوهام والمراهنات الخطأ.. بشجاعة أخلاقية وبمسؤولية وطنية..”، والتي تمثلت أولاً في “التعويل على الخارج والارتهان لأجنداته بدل التعويل على إمكانيات شعبنا، ووضع أولوياته وحاجاته فوق كل اعتبار. وتصعيد العمل المسلح بطريقة غير محسوبة أو مدروسة”. ثانياً، “شيوع وهم مفاده أن إسقاط النظام لن يتم إلا بالسلاح وحده مع تأكيد أن الدفع في اتجاه العسكرة أي تشكيل بعض الدول لفصائل عسكرية، رغم أن النظام يتحمّل المسؤولية الأساسية عن ذلك، جاء نتيجة “التلاعبات الخارجية بالثورة للسيطرة عليها والتحكم بتداعياتها وفرض أجندة معينة على خطاباتها وأشكال عملها مما أضر بها وبصدقيتها، كما أضر بشعبنا.. فالدول ليست جمعيات خيرية، وهي تعمل لأجندتها ومصالحها، وكان الأجدى للثورة أن تشق مسارها وأشكال كفاحها حسب إمكانيات شعبها..”. ثالثاً، وهم المراهنة على “جبهة النصرة (فتح الشام لاحقاً) وأخواتها، إذ أن هذا الفصيل الذي نشأ بشكل مريب.. نتيجة لتلاعبات خارجية، وهو لم يحسب نفسه يوما على الثورة، بل إنه ناهض مقاصدها علناً، براياته وخطاباته ونمط تعامله مع البيئات الشعبية.. الأمر الذي خدم النظام..”

بيد أن كيلو بعد هذه المواقف وتلك الاستقالة لم يعتكف في منزله ولم ينح نحو التنظير، إذ ظل مصمما على مواصلة طريقه بحيوية عالية عبر الكتابة وبث الرسائل الصوتية، وعبر التواصل مع قطاع واسع من المعارف رغم سنه المتقدمة (81 عاما).

ميشال كيلو لم يتبوأ أيّ مكانة قيادية في الكيانات السورية المعارضة

هكذا، استحق ميشيل كيلو مكانته المتميزة كعلم من أعلام المعارضة السورية وكمثقف شجاع وكمفكر نقدي يستعصي على الغياب، بحيث بات قبلة كثيرين داخل سوريا وخارجها، وعلى الصعيدين الشعبي والرسمي كصاحب رأي حر، وقد اشتهر بإطلالاته التلفزيونية بالذكاء السياسي وسرعة بديهة، مع صوت جهوري يتميز به، وبلهجته الشامية واللاذقانية. والأهم من كل ذلك أنه كشخصية معارضة برز نجمه في عهد حافظ الأسد، لاسيما في كلمته المتميزة والجريئة في ندوة كان نظمها النظام للاطلاع على رأي المثقفين في مقر اتحاد الكتاب العرب (1979)، التي تحولت إلى ندوة لمحاكمة النظام أو لفضحه؛ وهو الأمر الذي دفع ثمنه سجنا لقرابة عام ونصف العام، أول مرة (عهد الأسد الأب)، وفي المرة الثانية سجنا لثلاثة أعوام (عهد الأسد الابن).

إضافة إلى جرأته في مواجهة السلطة تميز كيلو بالبساطة والتواضع مع الآخرين، سواء الذين يعرفهم أو لا يعرفهم، كما تميز عن المثقفين الآخرين بالانخراط، من الناحية العملية، في العمل السياسي، وإن من خارج الأحزاب، إذ كان غالبا المباد أو أحد المبادرين، إلى خلق منابر للمعارضة، مثل بيان المئة، أو بيان الألف، أو بيان بيروت ـ دمشق، أو لجان إحياء المجتمع المدني (2000 ـ 2005)، ناهيك أنه لم يكف يوما عن الكتابة حتى يومه الأخير.

والمعنى من كلّ ما تقدم أن كيلو كان يشكل قيمة رمزية بحد ذاته، إذ أنه صنع نفسه وصنع تاريخه ومنبع قوّته يكمن في قيمه وجرأته واستقامته واستقلاليته وتصميمه على الكفاح من أجل استعادة شعبه لحريته وكرامته.

رحل ميشيل كيلو عن عمر 81 عاما والقضية السورية تزداد تعقيدا بعد أن باتت سوريا مكانا للتصارع الإقليمي والدولي، وبرحيله فقد الشعب السوري واحدا من أهم أعلامه ومن أهم صناع تاريخه الحديث، لاسيما تاريخ التمرد على نظام الأسد، وفقدت بذلك المعارضة رمزها المعنوي الأهم، وربما الأكثر شهرة وشعبية وثقافة ونبلاً.

9