بعلبك حاضرة الأسـاطير وذاكـرة الحضـارات قلعتها تعاني الإهمال

الاثنين 2014/10/06
آثار تروي سجل الحضارات التي تعاقبت على المدينة

كانت بعلبك مسك التراب فينيقية الأصل عربية اللسان، مدينة الشمس، عتيق مدائن الشرق قاطبة، على أحجارها اقتباسات من نقش فعل الأساطير، وكان عصرها الذهبي إبان العصر الروماني عام 63 ق.م، حيث حظيت بامتيازات وترتيبات تماثل مدينة روما، وأصبحت بعلبك من القواعد الرومانية الأساسية.

بعلبك هي في الأصل مدينة هليوبوليس القديمة، وهي مدينة القضاء الرئيسية في لبنان، وفي الوقت نفسه المقر الأسقفي لديانة الروم الكاثوليك، وتضم على أراضيها حوالي 100 ألف نسمة خليط من المسلمين – شيعة وسنة – والموارنة، ويضفي عليها ارتفاعها الذي يبلغ 150 مترا طقسا معتدلا وجميلا في الصيف، وجعلها موقعها الجيد منتجعا جذابا.

عند الوقوف في مربع بمدخل المدينة في قبة إدريس، تلمح مبنى حجريا ضخما شُيّد سنة 1245، وهو مكون من ثمانية أعمدة من حجر الجرانيت الزهري اللون، يطوقها سطح قائم على أعمدة، ثم رأينا مصرف سوريا ولبنان وقبلة خولة، حيث ترقد ابنة الإمام الحسين، وهو ابن الإمام علي ابن عم النبي (صلى الله عليه وسلم) تحت قبة بيضاء في صرح مربع ضخم، أما البازار فتتواجد فيه أشغال حرفية شرقية غاية في الروعة والجمال.

كما يعد المسجد الكبير من أهم المواقع العتيقة للمدينة وقد كان في الماضي كنيسة للقديس يوحنا المعمدان، وقد شيّد بمواد بناء مأخوذة من المعبد المهدم، وهناك توجد قبة السعدين، وهو ضريح فخم مبني من الحجارة البيضاء يأوي جسدي أميرين من المماليك توفيا سنة 1404، وفي قبة الأمجد توجد غرفة رباعية الشكل شيّد بناءها من الحجارة، تقع على قمة تلة الشيخ عبدالله، وقد بنيت بحجارة معبد مركور الذي زال، وأطلق اليونانيون عليها اسم هليوبوليس خلال حكم السلوسيديين، الذين اعتبروا أن إله الشمـس “هليـوس” هو نفسه “حداد” أحد الآلهة السوريين وهو إله السماء.

وحسب المؤرخين، دخلت المسيحية إلى مدينة بعلبك في القرون الأولى لظهورها، وأصبحت المدينة تحت سيطرة العرب في عهد الخليفة عمر بن الخطاب سنة 636م، واستولى القائد أبو عبيدة بن الجراح على حمص، وحاصر المدينة التي استسلمت بعد مقاومة شرسة، وبعد فترة قصيرة انتقل مصير مدينة بعلبك على التوالي من حكم الأمويين إلى حكم العباسيين الذين أتوا من بغداد سنة 751م، ثم الفاطميين المصريين سنة 969م، ثم السلاجقة عام 1100م، ثم الأكراد الأيوبيين.

المواقع الأثرية ببعلبك مرآة عاكسة لتاريخ المدينة العريق والثري

واحتل صلاح الدين مدينة بعلبك سنة 1175م، وفي السنة التالية قام الصليبيون الآتون من مدينة طرابلس بقيادة ريمون، بمحاصرة المدينة، فوقعت بين أيديهم غير أنهم لم يحتفظوا بها، ثم عاد العرب واستولوا على المدينة، ثم وقعت في القرن الثامن عشر بين أيدي مماليك مصر، وباشر السلطان قلاوون سنة 1279 بناء الحصون المعروفة باسم “حصن العرب”، واحتل الأتراك المدينة سنة 1516م، واحتفظوا بها حتى الحرب العالمية الأولى.

وكما يستنكر البعض أن يكون قدماء المصريين هم بناة الأهرامات، فإن الأسطورة هنا لها رواج يكشف أن حضارة بعلبك لا تنسب للبشر، بل لـ”جان” النبي سليمان عليه السلام، حيث تروي الأسطورة أنهم بنوها، وقد كانت مساحة القلعة حتى أواخر القرن الماضي عبارة عن مجموعة بساتين محروقة يملكها مواطنون، إلا أن السلطات المحلية امتلكتها حماية لآثارها وتاريخها، وبدأت عمليات التنقيب الرسمية بموافقة السلطان عبدالحميد الثاني العثماني، وتولت مهمة التنقيب بعثة ألمانية رسمية، وقد جرى افتتاح القلعة بحضور الإمبراطور الألماني، بعد ذلك تولى الإنكليز والفرنسيون مهمة التنقيب، إلى أن حصلت لبنان على استقلالها عام 1943، فتولت هيئة الآثار الوطنية مهمة التنقيب والحفاظ على القلعة والمدينة الأثرية.

غير أن إهمال الاستثمار السياحي السليم للقلعة، ساهم في تغيير صورتها وأثّر سلبا على معالمها، لاسيما خلال الأحداث اللبنانية، إذ انتشرت الحفريات بشكل فوضوي، حيث أقدم البعض عليها بدافع السرقة دون اكتراث لأهمية هذه الآثار، وهُرّبت معظمها خارج لبنان. والخطر الأكبر الذي يهدد القلعة هو تسرب المياه، بسبب الأمطار والثلوج إلى أقبيتها السفلية في هيكل “جوبيتر” و”معبد باخوس” الذي تهدد الرطوبة أحجاره، يضاف إلى ذلك الجليد الذي يغطي الأقبية في الشتاء، ويسبب تشقُّق أرضيتها، وقد حذرت تقارير مركز التراث العالمي في اليونيسكو من الإهمال الذي تتعرض له القلعة، وطالبت بوضع الخطط العاجلة لإنقاذها وخاصة إنقاذ “معبد باخوس” من أخطار الرطوبة التي يمكن أن تؤدي إلى تفكك حجارته.

12