"بعلم الوصول".. رسائل مجهولة لامرأة تعاني وساوس الانتحار

فيلم للمخرج هشام صقر يمنح صورة نابضة ومتدفقة بالحياة رغم العديد من المشاكل على مستوى السيناريو والحبكة الدرامية.
الثلاثاء 2020/03/17
اكتئاب متراكم

استطاع فيلم “بعلم الوصول” للمخرج هشام صقر في تجربته الإخراجيّة الأولى أن يقدم صورة حقيقية للقاهرة المعاشة، بعيدا عن الافتعال أو التصنع أو حتى التجميل، فقد اختار أماكن التصوير الخارجية في الشارع، تحديدا في منطقة “أرض اللواء” – إحدى المناطق الشعبية بالجيزة – مما منح الفيلم صورة نابضة ومتدفقة بالحياة، وهذا يحسب له في مقابل العديد من المشاكل على مستوى السيناريو والحبكة الدرامية.

يقدم فيلم “بعلم الوصول” للمخرج هشام صقر حكاية هالة، التي تقوم بدورها بسمة، وهي زوجة شابة وأم لطفلة رضيعة، فبعد مرور العديد من المشاهد البطيئة يستنتج المشاهد أن هالة تعاني من اكتئاب، ووساوس انتحارية، وأحلام تسبب لها القلق، وهذا الاكتئاب لا يرجع فقط إلى ما يسمى “بمرحلة اكتئاب ما بعد الولادة”، بل يعود إلى سنوات مراهقتها بعد أن فقدت والدها الذي عانى لأشهر من مرض السرطان.

هالة كانت مرتبطة جدا بوالدها، هو من علّمها فن الرسم وشاركها في رسم لوحات تعتبرها إرثا مهمّا من تلك المرحلة، في مقابل علاقتها المهتزّة مع أمّها وهي أمّ نمطية جدا، تفرض على ابنتيها الامتثال لقوانين المجتمع وفق قواعد ما ينبغي القيام به وما لا ينبغي لأنه سوف يجلب لعنات المجتمع.

فيلم يؤكد أن الاكتئاب ليس إلا حالة وسوف تمرّ
لم ينجح الفيلم في الوصول إلى أزمة مريض الاكتئاب، أو إلى أزمة بطلته تحديدا، وبدت الحوارات عن المرض بينها وبين زوجها مفتعلة وغير مقنعة

فن الرسم من وجهة نظر الأم “ليس له لازمة” هذا ما نستنتجه من موقفها من ابنتها الصغيرة “نعمة” – التي قامت بدورها الطفلة السورية “رفل” – ذات الثلاثة عشر عاما، فكل ما تفعله نعمة أنها ترسم في السر، وتضحك في الشارع مع صديقاتها البنات، وطوال الفيلم تشكو الأمّ من سوء سلوك نعمة، وتطلب من أختها الكبرى هالة أن تمارس معها دور العقل، بأن تنصحها بعدم اللعب في الشارع، وعدم الرسم، والالتزام بدراستها.

هالة تبدو غير مناسبة للعب دور الواعظ، لأنها غارقة في اكتئابها الذي يحجب عن عينيها أيّ رؤية واضحة للحياة، بل يدفعها دفعا نحو المزيد من العزلة، هي مثلا لا تلاحظ أن نعمة ترسم إلا بعد أن ينبهها زوجها للأمر.

وإذا كان الاكتئاب كما هو واضح في الفيلم هو مشكلة هالة الأساسية في الحياة، كما هو مشكلة الكثير من النساء، مع التنبيه إلى أن الاكتئاب يُعتبر مرض القرن الحادي والعشرين، بحسب تصنيف متخصصين في الطب النفسي، إذ منذ نشوء الطب النفسي وازدهاره، لم تحظ أدوية الاكتئاب ووسائل العلاج الأخرى بالانتشار والإقبال عليها، كما هي في هذه المرحلة.

وفي العودة للحديث عن حالة هالة، التي تبدو على وفاق مع زوجها المتفهم للحالة المرضية التي تشكو منها، رغم نصيحته في بعض المشاهد بالذهاب إلى أحد المشايخ أو أحد الأطباء، مما يدل على أنه يفتقر في رؤيته للوعي الكامل في استيعاب ماهية الاكتئاب، والدّليل على ذلك حيرته بين “الشيخ” و”الطبيب”.

هالة ترفض كليهما، ولا تجد في ذاتها القدرة على الذهاب إلى أيّ أحد، منكفئة على ذاتها مكتفية بالتأمل لساعات في الفراغ دون البحث عن سبيل للنجاة، لكن ثقل الحياة الواقعية يكون أكثر حضورا، حين تجبرها الحياة على التحرك قصرا من قوقعتها.

في المواجهة بين الواقع والاكتئاب، يبدو الواقع بكل ثقله أكثر عنفا من الاكتئاب الشرس المختبئ خلف العيون والملامح، يحل الواقع مثل نمر مرعب يزأر في وجه الاكتئاب فيدفعه للتراجع قليلا إلى الخلف ومواجهة الحياة بنوع من الشجاعة، ربما هذا ما حصل مع هالة حين تضطر للعودة إلى عملها كمدرّسة للغة العربية في المرحلة الابتدائية.

يتعرض زوج هالة “خالد” للسجن بعد وقوعه في خطأ حسابي في البنك الذي يعمل به، خطأ نتيجة للسهو حين يخطئ برقم صفر، فتتحول ثمانية آلاف إلى ثمانين ألفا يتم وضعها في حساب عميلة ما، تفشل المحاولات للوصول إليها ودفعها للاعتراف بحقيقة الموقف وتبرئة خالد.

تجد هالة نفسها وحيدة مع طفلة رضيعة، وزوج في السجن، وأمّ مريضة، وأخت مراهقة، وعوز مادي بطبيعة الحال. وتبحث عن سبل أخرى للفكاك من فخ واقعي أحكم قبضته عليها، إلى جانب قبضة الاكتئاب التي تمسكها منذ البداية. تعود إلى ممارسة عملها في التدريس، وتنتقل إلى الإقامة مع أمّها وأختها، رغم أن هذه الخطوة تسبب ضغطا معنويا بالنسبة إليها في تقييد حريتها، ومثال ذلك المشهد الذي نشاهد هالة فيه تدخن في بيتها بحرية، يوازيه مشهد تحكّم أمها بحركتها وسؤالها عن سبب خروجها من المنزل في يوم الجمعة.

وفي الرجوع إلى عنوان الفيلم “بعلم الوصول” تبدأ هالة في تلقي رسائل من صديقة مجهولة، تجد هالة الرسائل على باب شقتها، وتتضمن حديثا ودودا عنها وعن حالتها، تتعلق هالة بالرسائل المجهولة التي لا تعرف مصدرها ولا يمكنها أن تخمّن من الذي يقوم بإرسالها. لكن الكلمات التي تضمنتها الرسائل تساعدها على القيام بخطوة أخرى خارج دائرتها، السعي للبحث عن السيدة التي تسببت في توريط زوجها بالدخول إلى السجن.

وإذ تنجح هالة في العثور على عنوانها، والكلام معها ومحاولة إقناعها بإعادة المبلغ، إلا أن الحدث بحد ذاته لا يبدو مبررا في عدم وجود بريد إلكتروني أو تفاصيل أكثر تساعد على الوصول إليها منذ البداية، حدث دخول الزوج إلى السجن بدا مفتعلا من جانب عدم القدرة على تبرئته، وكأن الغرض هنا هو تحريك هالة من مكانها كي تكون عنصرا فاعلا في الحياة بدل الاستسلام للخوف من شبح الاكتئاب.

لم ينجح الفيلم في الوصول الحقيقي إلى أزمة مريض الاكتئاب، أو إلى أزمة بطلته تحديدا، وبدت الحوارات عن المرض بينها وبين زوجها مفتعلة وغير مقنعة، إلى جانب حركة الكاميرا البطيئة خاصة في المشاهد الداخلية. الجانب المضيء في الفيلم هو تأكيده على أن الاكتئاب ليس إلا حالة وسوف تمرّ، وما على صاحبها إلا الإدراك بأنها مرحلة صعبة وسوف تنقضي مهما طالت.

اختار المخرج نهاية مفتوحة للأحداث، سواء بالنسبة إلى الرسائل المجهولة، أو لخروج الزوج من السجن أم لا؛ وهذا الاختيار جاء لصالح العمل، الذي احتاج لترك العنان لمخيلة المشاهد، وتظل الإشارة إلى آداء الفنانة بسمة، فقد جاء معبرا ودقيقا عن العالم الداخلي للشخصية. وفي حقيقة الأمر وفّق المخرج في اختيار الممثلين جميعا، لبنى ونس وبسنت شوقي ومحمد سرحان، حيث تكامل آداؤهم الطبيعي الخالي من الافتعال مع عناصر أخرى مثل التصوير الخارجي وحركة الكاميرا في الخارج لإضفاء صفة الواقعية السلسة على الفيلم.

16