بعيدا عن الوطن قريبا من أخباره

الأربعاء 2015/11/25

ينشغل معظم المغتربين العرب وهم في بلدان المهجر بالبحث عن أفضل الدروب لمتابعة شؤون الوطن ومعرفة أخباره والتواصل مع فنونه عن طريق وسائل الإعلام المختلفة وخاصة القنوات الفضائية، وفي البلدان التي تسمح بنصب أطباق الاستقبال الفضائي على سطوح العمارات والمنازل يسرع الكثيرون إلى اقتناء أجهزة استقبال الفضائيات، أما في البلدان والمدن الأوروبية التي تمنع وضع الأطباق على البنايات، فتجد المغتربين العرب يبحثون عن الشبكات التي توفر لهم استقبال القنوات العربية لا عن طريق الأطباق الخارجية وإنما عن طريق الإنترنت.

وقد استغلت هذه الحاجة مجموعات “شاطرة” من مستخدمي تقنيات الكمبيوتر والإنترنت لتأسيس حُزم من القنوات العربية وغير العربية يمكن استقبالها وفق أنظمة رقمية عن طريق الإنترنت وعرضها على أجهزة التلفزيون المنزلية مقابل اشتراك معلوم، وبالرغم من أن هذه المنظومات الإلكترونية متفاوتة الجودة ولا توفر دائما الاستقبال المريح للمشاهدين بسبب كثرة الأعطال الطارئة وتكرار الانقطاعات وأحيانا لضعف شبكات الإنترنت، إلا أن المشتركين من العرب مع ذلك حريصون على دفع التكاليف للإبقاء عليها لتزودهم بالقدر المتاح من برامج القنوات العربية كجزء من الشعور بالانتماء إلى الوطن والحد من الإحساس بالغربة.

إن الحنين إلى الوطن والأهل والتاريخ دفع المغترب العربي وهو في المهجر إلى البحث عن القنوات التي تشبع شوقه إلى ما تركه خلفه عندما أجبرته الظروف القسرية أو الاختيارية على البحث عن ملاذ بعيد عن الوطن، وحيث أن القنوات الأجنبية في البلد الذي هو فيه الآن لا تشبع حاجته الوجدانية تلك، لجأ بالتالي إلى الفضائيات التي تتدفق عبر الأقمار التي تحمل القنوات العربية، والتي صار المغتربون ينظرون إليها نظرة تحليلية انتقائية حسب ما توفره كل قناة من إشباع لما يريد أن يراه أو أن يطلع عليه أو يرغب في متابعته.

عن دوافع المغترب العربي لمتابعة القنوات العربية وهو في المهجر وتصنيفه لها وأسباب تفضيل بعضها على بعض تمت في جامعة بيروت العربية قبل فترة مناقشة أطروحة لنيل درجة الدكتوراه في الإعلام للفنانة هديل كامل التي نعرفها ممثلة مسرح وسينما وتلفزيون، لتبرز لنا هنا كباحثة أكاديمية في موضوع قد يراه البعض “جافا” من عنوانه “دوافع استخدام الوافدين العراقيين للقنوات الإخبارية الفضائية والإشباعات المتحققة”.

ويتضح من هذا العنوان الجاد جدا، أنه يتعلق بالوافدين العراقيين إلى لبنان تحديدا، أي أنه بحث ذو منهج وصفي يتعلق بالمهاجرين في بيئة معينة تتوفر فيها وسائلها الإعلامية المحلية بلغة يفهمها المهاجر العراقي ويستطيع أن يلجأ إليها أيضا. وترفض هديل كامل وصف العراقيين المتواجدين “مؤقتا” في لبنان بالمهاجرين بل تصر على تسميتهم بالوافدين وتفسيرها لذلك أن العراقي الذي أجبرته الظروف القاسية على مغادرة الوطن اختار بلدا عربيا قريبا لأنه ينتظر أن يتمكن من العودة إلى داره وعمله وأهله داخل وطنه حال أن تهدأ الأحداث والأحوال الاستثنائية في العراق، فهو وافد وليس مهاجرا بلا عودة.

وهذا المواطن/ الوافد الذي ينتظر بشغف فرصة العودة ولحظة الاستقرار من جديد هو متشوق إلى معرفة تطور الأوضاع من خلال المتابعات الإعلامية لوسائل الاتصال التي تلعب دورا مهما في الإعلام عن مجريات ما يجري داخل العراق. كما تركز هذه الدراسة الغزيرة بالمعلومات على الأسباب التي توضح اختيارات الوافد العراقي في لبنان للقنوات الإخبارية العربية وفقا لدوافعه الذاتية وثقافته واهتماماته وارتباطاته.

وقد توصلت الباحثة إلى نتائجها التوضيحية بخصوص توجهات المشاركين من خلال استبيان علمي مدروس على عينة احتمالية أو عشوائية أفادت إلى نتائج محددة ورسومات بيانية تنفع الإعلاميين والمختصين حتما في هذه الدراسة الجادة المتميزة.

ويبدو لي أن الفنانة هديل كامل في أطروحتها هذه لم تستطع التخلي عن خبرتها في العمل التلفزيوني فخصصت، إلى جانب الموضوع الرئيسي والأساسي للبحث، حيزا مقبولا لتاريخ البث الفضائي عبر الأقمار وإلى حرفيات التلفزيون في إعداد وإخراج وتحرير نشرات الأخبار التلفزيونية وتقنياتها الحديثة التي تجعل منها أكثر جاذبية وتأثيرا.

18