بغداد الجريحة تحلق بأجنحة الشعر فوق الحرائق والفواجع والآلام

مازال صدى فاجعة حادثة تفجيرات الكرادة بالعاصمة العراقية بغداد، محور حديث العديد من وسائل الإعلام العربية والعالمية، هذه الحادثة التي حولتها مجموعة من الفنانين والشعراء إلى ذكرى إبداعية خالصة، ضمت ملصقات وأبيات شعرية، وذلك باستثمار طاقاتهم الفنية لجعل مخلفات التفجيرات ذات بعد فنيّ قد تنسي المواطن العراقي فاجعة الموت والأحداث المأساوية التي خلّفت الدماء والحرائق والدمار، ومثلما هناك موت وخراب لا بد أن يكون هناك أمل ونبض حياة.
الثلاثاء 2016/08/09
الفن والشعر في مواجهة قسوة الفاجعة

بغداد - أطلق بيت الشعر العراقي، هذه المرة، فعالية “تلويحة وفاء للكرادة” من دائرة “الطب العدلي” وسط العاصمة بغداد، في خطوة هدفها جعل المبادرة بمستوى التعبير عن الفاجعة الأخيرة التي ضربت بغداد، بعد التفجير المروع الذي هز حي الكرادة هناك.

الفعالية الجديدة هي من ضمن منهاج أشمل أطلقه البيت أوائل العام الحالي، لتجاوز الإطار المعتاد في تقديم الشعر على المنصات وفي القاعات المغلقة، أسماه “مقاطع للمارّة”، بوضع منتخبات من قصائد شعراء عراقيين في ملصقات فنيّة، ومن ثمّ لصقها في الأمكنة العامة والشوارع والمقاهي للفت نظر جمهور ثان، غير ذلك المحدود الذي يأتي إلى المناسبات الثقافية والأدبية.

في المشروع ككل اعتمد البيت على جهد اثنين من المصممين العراقيين، هما محمد رياض زاير وحسام فلاح الخطاط، يصمم الأول الملصقات كلها، والثاني يصمم “الانفوغرافيك التوضيحي” لكل فعالية من المبادرة المذكورة، واهتمت الصحافة العراقية والعربية، ومنها صحيفة “العرب” بنشر متابعات عن هذه الأنشطة المستحدثة في عمل الثقافة العراقية. في النشاط الأخير، أراد بيت الشعر التلويح لحي له صلة وثيقة بالثقافة العراقية وإطلاق التجمعات الأدبية والفنية الجديدة بعد أبريل 2003، بمقاهيه ومساحاته المفتوحة والحرة أمام الناس، حيث لوّح لشهداء الكرادة، بعشرة ملصقات، أدخل إليها إضافة إلى الشعر، عددا من الأعمال الفنية من رسم ونحت، لجمع من الفنانين المعروفين داخل العراق وخارجه.

أما الملصقات العشرة فضم كل منها: مقطعا للشاعر عبدالمنعم القريشي وعملا للنحّات رضا فرحان وضعا في مدخل دائرة الطب العدلي الذي كان مكان إطلاق الفعالية، حيث رقدت فيه البعض من جثث ضحايا التفجير الإرهابي الأخير، ومقطعا للشاعر فاضل العزاوي وعملا للفنّان فيصل لعيبي عند قاعدة نصب الحريّة في ساحة التحرير، ومقطعا للشاعر حسب الشيخ جعفر وعملا للفنّان ضياء العزاوي في مقهى إرخيته (شارع كرّادة داخل).

العراقيون يكتبون مأساتهم ويتمثلونها عبر الفن ومثلما هناك جرأة في الموت يجب أن تكون هناك جرأة في الحياة

إلى جانب مقطع آخر للشاعر حسين عبداللطيف وعمل للفنّان كريم رسن على واجهة مقهى رضا علوان (شارع كرّادة داخل)، ومقطع للشاعرة بلقيس حميد حسن وعمل للفنّان صادق كويش الفراجي عند مدخل مقهى علي بابا (الجادرية)، ومقطع للشاعر صادق الصائغ وعمل للفنّان رياض نعمة “ناجٍ من الحرب” على باب مقهى الأطرقجي (حي المنصور)، ومقطع للشاعر حسين السلطاني وعمل للفنّان كاظم نوير أمام المتحف الوطني العراقي في منطقة “العلاوي”.

كما يوجد مقطع للشاعر علاوي كاظم كشيش وعمل للفنّان محمّد القاسم على واجهة مكتبة عدنان في شارع المتنبي، ومقطع للشاعر علي نوير وعمل للفنّانة هناء مال الله على واجهة مقهى الشابندر في شارع المتنبي، ومقطع للشاعر أنور الغساني وعمل للفنّان سيروان باران وسط شارع الرشيد على جدرانه المتهالكة.

من المقاطع المختارة في تلويحة الوفاء، هذا المقطع للشاعر علي نوير:

“ماذا يحدثُ… يا الله؟/ خذْ ما شئتَ:/ حقولا، نِفطا، ذهبا، تُحَفا، آثارا،/ وأكملْ ألطافكَ… خذْ هذيَنِ النهريَنِ/ فهما ما عادا نَهريَنْ/ وأبونا نوحٌ لا يعرف غيرَهما/… من أينَ سيأتي الطوفانْ؟”.

يذكر الشاعر والناقد صفاء خلف تعليقا على فعالية البيت المهداة إلى الكرّادة “يكتب العراقيون مأساتهم ويتمثلونها عبر الفن، وما صدق هو الذي يؤرخ اليومي، ومثلما هناك جرأة في الموت، يجب أن تكون قبالة ذلك جرأة في الحياة. وفعل الموت بجرأته خاطف وغامض ومغرور، لكن الكتابة والفن بجرأتيهما يضعان التلقي الإنساني في منطقة التفكير العميق والأمل المتجدد”.

ويضيف خلف “برغم فداحة الموت في الكرادة، كان التعبير عن الحياة أكثر صمودا. وهذه الجرأة هي التي قادت إلى التفكير بأن تنطلق المبادرة من الطب العدلي، مخزن حفظ الموت، كخطوة مؤلمة للحياة قبالة الموت، الشعر والرسم في ثلاجة حفظ الموتى يعيدان الصدى البعيد لصرخات الضحايا إلى الواقع، ويصيغان تلقي الموت كدلالة رفض لا كدلالة قبول”.

يشار إلى أن بيت الشعر العراقي، تجمع ثقافي غير حكومي يضم عددا من شعراء جيل ما بعد أبريل 2003، يرأسه الشاعر حسام السراي، وينشط في بغداد، هدفه تنظيم الفعاليات النوعية الموجهة إلى الجمهور عامة، بعيدا عن الأنساق المألوفة في تقديم النشاط الثقافي.

14