بغداد القراءة ومعرضها للكتاب

 العراق شهد في العقد الأخير تبدد المؤسسات الثقافية التي كانت تهيمن على المشهد الثقافي وصناعة الكتاب.
الأحد 2018/04/01
عدم توفر أرضية واقعية لصناعة الكتاب

على الرغم من الفوضى العارمة التي شهدتها الحياة الثقافية وصناعة الكتاب في العراق بعد الاحتلال الأميركي وما نجم عنه، إلّا أنّ تلك الفوضى لم تخلو من بعض الظواهر الإيجابية، لعل أبرزها تخلص الثقافة بشكل عام والكتاب بشكل خاص من هيمنة الدولة والخروج من معطفها والبدء بتحسس الطريق نحو الاستقلالية الثقافية والبحث عن بدائل عملية لتوفير الدعم اللازم لإدامة الفعل الثقافي.

لقد شهد العراق في العقد الأخير تبدد المؤسسات الثقافية التي كانت تهيمن على المشهد الثقافي وصناعة الكتاب، مثل الدار الوطنية للتوزيع التي كانت تحتكر عمليات توزيع الصحف والمطبوعات والكتب، ودار الحريَّة للطباعة التي كانت تشرف على عمليات الطباعة، ودار الشؤون الثقافية العامّة التي كانت تنفرد بتعضيد الكتب والمجلات الثقافية وإصدارها.

ونظرًا لعدم توفر أرضية واقعية لصناعة الكتاب في القطاع الخاص، نتيجة لاعتماد السوق على الدولة ومؤسساتها على مدى عقود طويلة، إلّا أنّ اختفاء تلك المؤسسات من الحياة الثقافية فجأة أحدث نوعًا من الفوضى على صعيد صناعة الكتاب العراقي، وأسهم في ظهور دور نشر طفيلية ونفعية في الغالب تستند إلى التعاون والتكامل مع مشروع الفساد العام الذي ساد البلاد كلّها.

لكن على الرغم من ذلك تمكنت بعض دور النشر، سواء القديمة أو تلك التي تأسست بعد التغيير، من تأكيد حضورها الريادي تدريجيًا، ثم أخذت على عاتقها إدامة الكثير من الممارسات الثقافية التي كانت حكرًا على الدولة في السابق، ولعل من أبرز تلك الممارسات تنظيم معرض بغداد الدولي للكتاب الذي تصدت له مجموعة من دور النشر الأهلية تقف على رأسها دار الكتب العلمية وبمساندة وإشراف من اتحاد الناشرين العراقيين وبعض الجهات الداعمة او الممولة الأخرى كاتحاد المصارف الإسلامية وغيره.

وإذا كانت الدورات السابقة للمعرض قد شهدت بعض الهنّات والممارسات السلبية هنا وهناك، إلّا أنّ دورة العام الحالي تعد بالكثير وتدفع للتفاؤل نتيجة للآلية الاحترافية التي تعمل وفقها اللجان المنظمة وحجم طلبات المشاركة من دور النشر العربية التي انهالت على اللجنة وحجم التغطية الإعلامية التي بات يحظى بها المعرض حتى قبل افتتاحه. ولا يخفى على أحد حجم سوق الكتاب العراقية، التي كانت في يوم ما ركيزة صناعة الكتاب العربية كلّها نتيجة لانتشار تقاليد القراءة الواعية لدى الجمهور العراقي، ولعل بغداد هي العاصمة العربية الوحيدة التي تشهد انعقاد معرضًا ضخمًا للكتاب أسبوعيًا في شارع المتنبي، ولعلني لا أبالغ إذا قلت أن مبيعات أيّة جمعة من جمعات الكتاب في شارع المتنبي قد تفوق مبيعات الكثير من معارض الكتاب العربية السنوية.

 وتعود تقاليد تداول الكتاب وانتشار صناعته والاهتمام بجديده وقراءته في المنطقة الثقافية الواقعة في قلب بغداد، إلى العصر العباسي أيّام كانت الحاضرة العربية الكبرى وعاصمة الثقافة والعلوم التي تردها الثقافات والرؤى والأفكار من شتى أنحاء العالم العربي والإسلامي، ونتيجة لجميع هذه المعطيات، فأن المسؤولية الملقاة على عاتق المنظمين لمعرض بغداد الدولي للكتاب كبيرة للغاية، كما إن مهمة دعم اللجنة المنظمة للمعرض في دورته الجديدة مسؤولية أخلاقية ووطنية وقومية قبل أن تكون ثقافية في الواقع، ذلك لأن الأمر كما ذكرت، يتعلق بإرث بغداد الثقافي الكبير على صعيد صناعة ونشر وتوزيع وقراءة الكتاب، وإذا كان البعض يأخذ على اللجنة المنظمة محدودية امكانياتها الماديّة، فأن الوقت قد حان، من وجهة نظري، للتعالي على بعض الصغائر والتحلي بروح المسؤولية الثقافية والوطنية ودعم الجهود الكبيرة التي تبذل على هذا الصعيد.

10