بغداد المشلولة سياسيا عاجزة عن تغطية رواتب الموظفين

انهيار عوائد النفط يدفع السلطات العراقية لاقتراح طباعة عملة نقدية للتداول الداخلي.
الاثنين 2020/03/30
انهيار أسعار النفط يكبّل الحكومة العراقية

بغداد – لم يعد بإمكان الحكومة العراقية المستقيلة والضائعة في متاهة سياسية مغلقة، الهروب من معركة النقص الهائل في الموارد المالية بعد انهيار أسعار النفط، في وقت تزداد فيه حاجتها للإنفاق بسبب تداعيات تفشي فايروس كورونا المستجد.

ويعتمد العراق على عوائد النفط بشكل كلي تقريبا في تمويل موازنته السنوية، التي ينفق الجزء الأكبر منها على رواتب قرابة سبعة ملايين شخص يتقاضون مبالغ شهرية من الحكومة، بينهم موظفو مختلف المؤسسات المدنية والعسكرية والمتقاعدون والعاطلون وشرائح أخرى.

ووضع العراق موازنة العام الجاري على أساس تقديرات تتوقع بيع نحو 3.8 مليون برميل من النفط يوميا، بواقع 56 دولارا للبرميل.

لكن البيانات تشير إلى أنه باع، السبت، 3.5 مليون برميل مقابل نحو 21 دولارا للبرميل الواحد، يذهب معظمها لشركات النفط بموجب عقود مجحفة يشوبها الفساد، ما يعني تلاشي عائداته من تصدير النفط.

ويقل سعر معظم خامات العراق بنحو 5 دولارات عن سعر مزيج برنت، الذي يبلغ حاليا أقل من 25 دولارا للبرميل بسبب اعتبارات تتعلق بالمواصفات والعقود والآجلة، ما يعني أن معاناة بغداد ستكون مضاعفة، كلما فقدت دولارا واحدا من سعر برميل النفط.

وتتضارب التقديرات بشأن حجم الأموال التي يجب أن يحصل عليها العراق في الحد الأدنى لتغطية رواتب الموظفين أو جزء منها، مع بعض الاحتياجات الأساسية، ذلك فإن الأرقام ليست واضحة في بغداد، لكن العجز سيكون كبيرا لا محالة.

وأكثر التقديرات تفاؤلا هي تلك التي تشير إلى أن العراق سيتمكن من تأمين نحو ثلث رواتب موظفيه بحلول نهاية شهر ابريل، في حال استمرت أسعار النفط في معدلاتها الحالية.

اجراءات الحد من تفشي كورونا تثقل كاهل الاقتصاد العراقي
اجراءات الحد من تفشي كورونا تثقل كاهل الاقتصاد العراقي

ومن بين أكثر المقترحات إثارة للجدل في إطار مساعي بغداد لاحتواء هذه الأزمة، يبرز مقترح طباعة عملة نقدية، للتداول الداخلي، لتغطية العجز المتوقع في رواتب الموظفين، سيرا على خطى نظام الرئيس الراحل صدام حسين، الذي لجأ إلى هذا الخيار في تسعينات القرن الماضي، خلال الحصار الدولي على العراق، ما تسبب في تضخم هائل في الكتلة النقدية.

وقال مصدر مخول في البنك المركزي العراقي،  تعليقا على الجدل الواسع الذي أثاره مقترح طباعة العملة، إن “طبع الأوراق النقدية العراقية إجراء روتيني فني يمارسه البنك المركزي وفق متطلبات التداول النقدي”.

وأشار إلى أن “طبع الأوراق النقدية عملية منفصلة تماما عن عملية الإصدار النقدي”.

وأضاف المسؤول أنه “لا تستطيع أي جهة سحب الأوراق النقدية من البنك المركزي ما لم تكن في حساباتها أرصدة تغطي المبلغ المطلوب سحبه”.

وأكد أن “طبع الدينار لا يعني سوى تعزيز خزائن البنك المركزي وفقا لسياسة إدارة النقد، وليس أي معنى أو غرض آخر. فقانون البنك المركزي والسياسة النقدية لا يسمحان بإصدار النقد لصالح حساب دون رصيد”.

وقطع تصريح المصدر الجدل الدائر في شأن طبع العملة ما لم يتوفر رصيد حكومي دولاري لتغطيتها، ما يعني أن على الحكومة أن تفكر في إجراءات أخرى.

وفي محاولة للاستفادة من هذه المخاوف في تعزيز موقفه التفاوضي، سرب رئيس الوزراء المكلف عدنان الزرفي، إشارات لما يمكن أن يقوم به في حال نيل حكومته ثقة البرلمان العراقي، في إطار الاستجابة للتحديات الاقتصادية.

وقال مقربون من الزرفي، إن الحكومة الجديدة، في حال نيلها الثقة، ستعمد إلى “إيقاف الدعم الحكومي للوزارات الإنتاجية وإلزامها بدفع أجور الماء والكهرباء وأي خدمات أخرى ومعاملتها أسوة بالشركات الرابحة والمسؤولة عن تأمين الدعم اللوجستي ذاتيا”. وأكدوا أن تلك الإجراءات سوف توفر أموالا طائلة في مجال الإنفاق الحكومي.

ثلث رواتب الموظفين تغطيه عائدات النفط في شهر أبريل

وسيحاول الزرفي، وفق المقربين منه، “تحريك الكتلة النقدية المتداولة والمتوقفة حاليا بسبب عزوف المواطنين عن إيداع أموالهم في البنوك بسبب فقدانهم الثقة بالمصارف الحكومية والأهلية، فضلا عن إقرار قانون جديد ينظم ويحرك عمل القطاع المصرفي في البلاد.

وكشف المقربون من الزرفي أنه سوف يسعى أيضا إلى “المباشرة بإعداد دراسة جدوى لنشاط وإنتاجية كل وزارة من الوزارات الحكومية، يرافقها اعتماد الحزم في إدارة المشاريع وفق مبدأ الثواب والعقاب”.

ويقول خبراء إن جميع الحلول اللازمة لمواجهة الأزمة المالية الكبيرة، لن يكتب لها النجاح، ما لم يتم خفض الإنفاق على تمويل الرواتب، وهو البند الذي يبتلع الجزء الأكبر من إنفاق الموازنة الحكومية.

لكن إجراء كهذا قد يفجر ثورة شعبية، بالنظر إلى أن رواتب الموظفين، هي تقريبا المنفذ الوحيد لتحريك الدورة الاقتصادية الداخلية، وأي مساس بها سيتسبب في ركود كبير، وتفاقم معدلات الفقر والبطالة.

ويرى مراقبون أن الحلول ربما تكون خارجية، وذلك من خلال الحصول على تسهيلات دولية للاقتراض، ما يتطلب الاعتماد على العلاقة الاستثنائية بين العراق والولايات المتحدة، التي تمر في ظرف حرج، بسبب التدخلات الإيرانية في الملف السياسي العراقي.

ويسود اعتقاد على نطاق واسع، أن الحلول لمواجهة هذه الأزمة، وطريقة التعاطي معها، معلقة بشكل الحكومة القادمة، ومدى قربها من الولايات المتحدة.

1