بغداد بالأبيض والأسود رحلة مع الفوتوغرافي العراقي فؤاد شاكر

الأحد 2014/03/16
الراحل فؤاد شاكر كان يبني لقطته على تقنية عالية

حين ينشر الفوتوغراف وسواسه الاستحواذي فلأنه يعتبر أن أهم مهماته الـ”خارج بصرية” هي الإمساك بالزمن، والاستحواذ على الذكريات، فهو يمتلك قدرة لا حدود لها لتعبئة مادية اللقطة بالذكريات؛ فتتحول اللقطة الفوتوغرافية، بفعل تحولها إلى ذكرى، إلى مناسبة رثاء لاضمحلال موضوعها الذي بلغ الآن في زمن التلقّي مشارف الهرم، أو اختفى من الوجود؛ فتحّول إلى ذكرى.

وتحولت الصورة، بفعل الزمن، إلى دليل على ذوبان مطّرد للزمن، وفرصة أخيرة لتسجيل ما هو مشروع اختفاء بفعل حضور الموت من خلال خلود الصورة الذي يقابله ويكرسه فناء النموذج، ولكن الأمر قد تحوّل بيد فؤاد شاكر، بعد موته المفاجئ، من كونه واقعة نموذج صار طاعنا بفعل الزمن، أو اختفى (مات)، إلى واقعة نموذج رثائي من نمط آخر يشكّل فيه رحيل الرسام ذاته، وتوقف إنتاج صوره، الدلالة الأهم؛ فتكون الصورةُ حضورا زائفا للخلود، وحضورا مكرّسا للموت والاضمحلال المستمر، والتحول من الوجود المشخّص للموجودات (التشخيص) إلى وجود للفناء (التجريد) عبر النقطة الحرجة بين التشخيص والتجريد وهي النقطة التي تسميها الرسامة هناء مال الله “الحافة الحساسة”، أو ما أسميته مرة “الصفر التعبيري” حينما تبقى السحنة وحدها من يقوم بالتعبير عن المشهد دونما تشخيص بفعل اختفاء المشخص وتخلف أثره عبر مادية السحنة.

وقد أثبتت تجربةُ فؤاد شاكر أن أعظم المعاني الاستثنائية للصورة الفوتوغرافية كانت تمرُّ عبر رثاء الزمن الماضي، فكانت استثنائية الصورة الفوتوغرافية ودخولها خانة الجمالي ناتج عمل تاريخي أي تقادم الزمن على اللقطة لتتكثف استثنائية الصورة بفعل خلودها الناجم عن تلاشي النموذج الذي تصوره.

أثبتت تجربةُ فؤاد شاكر أن أعظم المعاني الاستثنائية للصورة الفوتوغرافية كانت تمرُّ عبر رثاء الزمن الماضي

لقد أدرك فؤاد شاكر الوشائج التي تربط الصورة الفوتوغرافية بالسينما، فرغم أنهما شريحتان زمكانيّتان، لكن الفرق بينهما أن الصورة الفوتوغرافية، وإن كانت العنصر الأوّلي أو أزل السينما إلا انها تنكر الرابطية الاستمرارية، عكس السينما التي تحتفي وتستوطن، حسب جيل دولوز، بالحركة والاستمرارية؛ فتنحسر مكانية اللقطة لصالح زمانيتها؛ بسبب الجريان المتدفق للصور التي تتجمع وتتراكم فتلغي إحداها الأخرى.

فكان فؤاد شاكر، وبشكل فطري، مدركا لقضية أولوية العنصر المكاني للقطته؛ فانكبّ على مادية اللقطة يكرّسها عبر استخدام عنصر الكونتراست في التصوير الأسود والأبيض لتنغمس اللقطة بماديتها؛ ومن ذلك تستمد خلودها، عبر تجمع فعل الزمن على النموذج الذي يصوره، فكان فؤاد شكر وناظم رمزي قد أدركا قبل مجايليهما ما أسميته قانون هارولد دافيس الذي يعتبر فيه التفكير بالتباين اللوني جوهرا للتصوير بالأسود والأبيض، وليس جوهره اختفاء اللون، حيث يؤكد دافيس أن نزع اللون من الصورة الملونة لن يحولها إلى تصوير حقيقي بالأسود والأبيض.

لم يسمح فؤاد شاكر لنفسه أن ينساق إلى تعريفات أو تفضيلات جمالية تعاير الجمال بالقبح، فلم تكن هنالك في عرفه لقطة جميلة، أو وجه جميل يصلح للفوتوغراف ونظير مناقض له لا يصلح للفوتوغراف، وإنما كان يبني لقطته على تقنية عالية، لذلك لم يكن يتورع عن الاتجاه إلى قاع المجتمع يصور نماذجه من المتعبين الذين يصلحون نموذجا للتصوير بالأسود والأبيض تحديدا..

الصور الفوتوغرافية للفنان الراحل مشروع ضخم لتوثيق الحياة اليومية العراقية

كما توجه بنفس الكيفية إلى قاع الأمكنة وأزقتها، فكان يصور نماذجه ليراهن على الزمن الذي سيسُوق اللقطةَ إلى أن تدخل عالم الفوتوغراف من باب التقادم وتحولات السردية.. فإن لقطاته حيادية، تهيمن عليها التقنية.

ولا يهدف من تصوير نماذجه إلى إثارة أيّ نمط من التعاطف الذي ينتمي إلى السرد، وإنما التذكير بعالم آخر مختلف عبر التركيز على مادية الصورة دون التورط في تعاطف معياري قد يوقع اللقطة بالمجانية، فكل اللقطات عند فؤاد شاكر تقف على نفس المسافة من الأهمية مثل لقطات السينما تماما.

رغم أن اللقطات الأمامية القريبة تكون غالبا ثمرة تعاون بين عين الكاميرا وبين النموذج، إلا أن لقطات فؤاد شاكر لا يبدو أنها تتضمن تواطؤا بين العدسة والنموذج المصور الذي يبدو غير مكترث بما يحدث أمامه، فقد كانت نماذجه عزوفة تجاه مطامع الحياة وتجاه ما يجري أمامها.

ورغم أن معظم لقطاته صورت من الأمام، ومن مسافة تبدو قريبة قد لا تزيد عن أمتار قليلة؛ إلا أننا نرجّح أن يكون قد تم تصويرها عبر عين كاميرا متلصصة ومتخفّية بشكل محترف حتى لا تثير أيّة ردود أفعال تغير الانفعال الذي يحدث عند العلم بلحظة الالتقاط..

لم تكن نماذج فؤاد شاكر تمتلك أشكالا جميلة، أو تنتمي إلى موضوعات جميلة، وإنما كانت تنتمي إلى سواد الناس، وأحيانا إلى قيعان الطبقات الاجتماعية والأمكنة، فهي ببساطة موضوعات متوفرة في كل مكان من مناطق بغداد الشعبية: علاوي الحلة، الشواكة، البتاويين… فليست العبرة عنده باستثنائية الشخوص، أو شهرتهم، أو استثنائية الموضوعات التي يشكلون جزءا منها، ولكن المهم هو تقنية الصورة، وزاوية الالتقاط، و”ميز أون سان” مكونات اللقطة، فكانت حصيلة العمر أن امتلك فؤاد شاكر صورا شكلت مشروع أنطولوجيا صور تعيد ترتيق ورسم الحياة العراقية عبر العقود الماضية التي قضاها مصورا فوتوغرافيا.

16