بغداد تدشن موجة غضب ثانية خارج سيطرة الصدر

دورة احتجاجات جديدة في العراق تلوح أعنف من سابقاتها، مشكّلة تحدّيا لنظام الأحزاب الدينية القائم في البلد، فيما لا يبدو الزعيم الشيعي مقتدى الصدر قادرا على تطويقها مرّة ثانية، بعد أن لمس الشارع عجزه عن خدمة أيّ من قضاياه.
السبت 2016/05/21
تطور نوعي

بغداد - اقتحم متظاهرون غاضبون الجمعة مكتب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي داخل المنطقة الخضراء وسط بغداد، بعد مصادمات مع الميليشيات وقوات الشرطة، في تطور نوعي لموجة الغضب الشعبي الذي يبدو أنّه وصل نقطة اللاّعودة بفعل استفحال الأزمات وانسداد أفق الإصلاح وعدم إمكانية تغيير الأوضاع في ظل النظام السياسي القائم.

وأكّد شهود عيان أن الاحتجاجات التي شهدتها بغداد الجمعة وتطورت إلى اقتحام للمنطقة الخضراء جاءت تلقائية ومستقلة عن كل التيارات والأحزاب ولا صلة لها بالتيار الصدري الذي كان نظم أواخر أبريل الماضي عملية اقتحام مماثلة لمقر البرلمان.

ولم ينف الشهود مشاركة عدد كبير من سكان مدينة الصدر، المعقل الرئيسي للتيار الصدري، في عملية الاقتحام، لكنهم أكّدوا عدم تلقيهم أوامر من قيادة التيار.

وقالوا إن المقتحمين كانوا مشحونين بغضب عارم جرّاء الانفجارات الأخيرة في بغداد، وعجز الحكومة عن حمايتهم.

وقال مصدر عراقي إنّ الاحتجاجات بدأت تخرج عن السيطرة، وأن العراقيين ما عادوا يثقون في أي من السياسيين والزعماء الدينيين بفعل عدم تسجيل أي تحسّن في الأوضاع التي خرجوا للاحتجاج من أجلها منذ حوالي سنة.

وبعد مصادمات للقوات الأمنية والميليشيات مع المتظاهرين أوقعت العشرات من الإصابات، في صفوفهم، أعلنت قيادة عمليات بغداد، فرض حظر على التجوال في جميع مناطق العاصمة حتى إشعار آخر.

وعادت الاحتجاجات الشعبية لتظهر في العاصمة العراقية بغداد وعدد من مدن جنوب البلاد، متحدّية الوضع الأمني الصعب، والإجراءات المشدّدة التي اتخذتها السلطات العراقية في محاولة لمنع إعادة سيناريو اقتحام المنطقة الخضراء التي تضم أهم المقرات الحكومية والسفارات الأجنبية، فضلا عن نشر الميليشيات الشيعية لمسلّحيها في العاصمة بذريعة الحفاظ على الأمن.

لمس الشارع أن زعيم التيار الصدري عاجز عن إحداث أي تغيير في الأوضاع التي خرج العراقيون للتظاهر بسببها منذ حوالي سنة

ويظهر إصرار العراقيين على التظاهر في هذا الجو المشحون بالصراعات السياسية والتهديدات الأمنية متمثلة خصوصا في التفجيرات المتتالية التي ضربت العاصمة بغداد مؤخرا موقعة المئات من الضحايا بين قتلى وجرحى، أنّ العراق مقدم على صيف بالغ “الحرارة” لجهة الحراك الاحتجاجي الشعبي.

وتأتي موجة التظاهرات المتصاعدة في العراق، مع اقتراب مضي حوالي سنة على انطلاق الحراك الاحتجاجي في البلد، والذي كان تردّي الخدمات، بما في ذلك شح التزويد بالكهرباء، القادح المباشر له لتتوسّع الاحتجاجات بعد ذلك وتشمل المطالبة بالإصلاح ومحاربة الفاسدين.

ومنذ ذلك الحين تشعّبت الأحداث المتصلة بالاحتجاجات وتحوّلت إلى أزمة سياسية وأطلقت صراعا شرسا بين “شركاء” العملية السياسية وخصوصا قادة وزعماء الأحزاب الشيعية الممسكة بزمام السلطة.

ونتجت الأزمة عن استيلاء مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري على الحراك الشعبي، الذي انطلق بشكل عفوي وتلقائي، وتحويله أداة للضغط على خصومه السياسيين الذين نجحوا طيلة أكثر من 13 سنة في تحييده عن مواقع قيادة الدولة التي يراها حقّا له ولعائلته ذات المكانة في مجال التدين الشيعي بالعراق.

ومن المفارقات أن حركة الصدر بكلّ ما أثارته من فوضى داخل البيت السياسي الشيعي، مثّلت رغم ذلك خدمة للنظام القائم في العراق، حيث تمكّن الصدر من السيطرة على حراك الشارع ومنعه من التحوّل إلى ثورة شعبية على ذلك النظام.

ومن هذا المنطلق تشكّل دورة الاحتجاجات التي تلوح ملامحها مع بداية هذه الصائفة تحدّيا لحكم الأحزاب الشيعية في العراق، إذ لا شيء يوحي بأنّ الصدر قادر على تطويقها مرّة ثانية بعد أن لمس الشارع أنّ زعيم التيار الصدري عاجز عن إحداث أي تغيير في الأوضاع التي خرج العراقيون للتظاهر بسببها منذ حوالي سنة.

ومن السخرية، يقول أحد الشبان المشاركين في تظاهرات الأمس في بغداد، إنّ عملية التجهيز (التزويد) بالكهرباء التي دفعت العراقيين للتظاهر الصيف الماضي لم تتحسن بل ازدادت سوءا مع تقليص عدد الساعات المخصصة لبعض المناطق بسبب شح الموارد المالية ونقص الوقود وتوقف عدد من المولدات عن العمل وانقطاع الخطوط بفعل أعطال فنية وعمليات تخريب في بعض الأحيان.

واستفاد زعيم التيار الصدري من عدم مشاركته بشكل مباشر في الحكم، ومن خطابه الحاد تجاه السلطة القائمة في بغداد وباقي زعماء الأحزاب، في عرض نفسه على الشارع العراقي كزعيم إصلاحي يتبنى مطالب الجماهير في الإصلاح ومحاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين، الأمر الذي مكّنه من سحب البساط من تحت أقدام التيار المدني الذي قاد الاحتجاجات في بدايتها.

وبحسب مصادر عراقية، فإن هذا التيار عاد لينشط في أحياء بغداد وعدد من مدن الجنوب داعيا إلى الاحتجاج بشكل مستقل عن أي تيار سياسي أو ديني والحرص على رفع شعارات تجمع مختلف شركاء العملية السياسية في سلّة واحدة باعتبارهم يشكلون طبقة فاسدة يجب اجتثاثها بالكامل.

3