بغداد تراجع عقود النفط المجحفة الموقعة في حقبة المالكي

أطلقت الحكومة العراقية وعودا جديدة بإصلاح العقود النفطية المجحفة التي أبرمتها حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، لكن الخبراء لا يتوقعون الكثير بسبب فشل المحاولات السابقة وسوء الإدارة وقلة الكفاءة التي تهيمن على قطاع النفط، بعد اجتثاث معظم الكفاءات، التي كانت تديره قبل عام 2003.
الأربعاء 2016/08/24
خراب الأسس

بغداد – كشف وزير النفط العراقي الجديد جبار علي لعيبي أن بلاده تريد مراجعة العقود المبرمة مع شركات النفط لخفض الرسوم التي تتلقاها الشركات في أوقات تدني أسعار الخام، في إشارة إلى الشروط المجحفة التي تضمنتها تلك العقود متمسكا بمطلب سلفه.

وأكد بيان أن الوزير عبر عن هذا الموقف خلال اجتماع عقده يوم الاثنين في بغداد مع المدير التنفيذي لشركة بريتش بتروليم البريطانية (بي.بي) فرع العراق مايكل تاونسند، وتناول أيضا زيادة إنتاج الشركة من النفط والغاز من حقل الرميلة في جنوب العراق.

وتضغط اتفاقات الخدمة المبرمة حاليا مع شركات النفط على موازنة العراق، والتي تجبر الحكومة على دفع رسوم ثابتة للشركات الأجنبية مثل بي.سي وشل وإيني وإكسون موبيل ولوك أويل، مقابل الإنتاج في حقولها المتقادمة. ويرزح العراق تحت وطأة شروط مجحفة في عقود جولات التراخيص، التي أبرمها حسين الشهرستاني، نائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة في حكومة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي.

وتعطي تلك العقود لشركات النفط الأجنبية ما يصل إلى 21 دولارا مقابل إنتاج كل برميل، إضافة إلى دفع مصروفات الشركات، دون تحديد سقف واضح، الأمر الذي يلتهم معظم عوائد صادرات النفط تقريبا، بعد انخفاض الأسعار. وتظهر تلك العقود قلة الخبرة في إدارة المفاوضات، وخاصة في رسوم تكاليف الإنتاج المرتفعة، التي تصل إلى أضعاف الرسوم الممنوحة في الدول المجاورة، خاصة في ظل سهولة استخراج النفط في العراق.

ويرى الخبراء أن تلك العقود يشوبها التسرع والتهور وقلة الكفاءة على الأقل، وأن المسؤولين اندفعوا وراء زيادة الانتاج بأي ثمن، ولم يأخذوا احتمال تراجع أسعار النفط في الحسبان، حين كانت تفوق 100 دولار للبرميل.

وقال الخبير الاقتصادي صادق حسين الركابي لـ“العرب” إن بقاء هذه العقود على حالها يعني استمرار نزيف الخسائر الكبيرة وتعثر فرص تطوير صناعة النفط، وأن العراق قد يصل إلى وضع لا يكون قادرا فيه على الوفاء بالتزاماته المالية.

جبار علي لعيبي: نريد مراجعة العقود المبرمة مع شركات النفط لخفض الرسوم التي تتلقاها

وطالب بأن يشمل أي تعديل مرتقب على جولات التراخيص النفطية، وضع آلية تحدد أجور الشركات لتكون أكثر مرونة وملاءمة لتقلبات أسعار النفط في السوق العالمية.

وأشار الركابي إلى أهمية أن لا تغفل التعديلات، تطوير البنية التحتية وتطوير الكوادر البشرية للسكان المحليين لتأهيلهم لممارسة الأعمال في الفرص التي يخلقها وجود تلك الشركات في تلك المناطق.

وكشفت تحقيقات عالمية عن وجود فساد في تلك العقود، وطالت الاتهامات مسؤولين كبارا بينهم الشهرستاني. وقد أجبرت تلك التحقيقات رئيس الوزراء حيدر العبادي على فتح تحقيق في أبريل الماضي، لكنه لم يكشف حتى الآن عن أية نتائج.

ولا يعول الخبراء كثيرا على مراجعة العقود المبرمة، لأنها تعد ملزمة، إضافة إلى أن العوائد المرتفعة هي الحافز الوحيد للشركات للعمل في العراق، في ظل تدهور الوضع الأمني وانتشار الميليشيات المسلحة، التي تتدخل في عمل الشركات.

وكانت الحكومة العراقية قد أطلقت وعودا كثيرة بإصلاح العقود النفطية منذ تولي حيدر العبادي رئاسة الوزراء قبل عامين. لكن الخبراء لا يتوقعون الكثير بسبب فشل المحاولات السابقة وسوء الإدارة وقلة الكفاءة التي تهيمن على قطاع النفط، بعد اجتثاث معظم الكفاءات التي كانت تدير الإنتاج دون الاستعانة بأي خبرات أجنبية حتى عام 2003.

وتعد إيرادات صادرات النفط، شريان الحياة الوحيد بسبب شلل جميع الأنشطة الاقتصادية الأخرى، وهي تشكل أكثر من 95 بالمئة من إيرادات الموازنة العراقية.

وتسعى الحكومة الاتحادية إلى زيادة إنتاجها النفطي البالغ حاليا نحو 4.6 مليون برميل يوميا، بأي ثمن، لكن المحللين يتوقعون تباطؤ وتيرة الارتفاع في العامين الحالي والمقبل، بعد زيادة كبيرة في العام الماضي.

صادق حسين الركابي: بقاء العقود الحالية قد يؤدي إلى عجز العراق عن الوفاء بالتزاماته المالية

وشملت جولات التراخيص التي وقعت على عجل بين عامي 2010 و2012 قرابة 85 بالمئة من مجمل الحقول النفطية، وقدمت رسوما ثابتة للشركات، لا تأخذ بعين الاعتبار احتمال تراجع أسعار النفط العالمية.

وأعلنت الحكومة العراقية في الأسبوع الماضي عن تحول كبير في سياستها تجاه إقليم كردستان، حين بادرت بإعادة ضخ النفط من حقول كركوك عبر أنبوب الإقليم في محاولة لحل الخلاف بشأن السيطرة على عوائد صادرات النفط من شمال العراق.

وقال مسؤول في شركة نفط الشمال إن بغداد تعتزم زيادة تدفقات الخام التي يضخها من حقول محافظة كركوك عبر خط أنابيب إقليم كردستان، لتصل إلى 150 ألف برميل يوميا هذا الأسبوع.

وكانت الشركة قد أوقفت ضخ النفط في شهر مارس الماضي، بعد نحو عام ونصف العام من سيطرة حكومة الإقليم على حقول محافظة كركوك منذ سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من البلاد في يونيو 2014.

ويمثل قرار الحكومة العراقية تحولا كبيرا في سياستها في ظل عدم إعلان الجانبين عن أي مفاوضات بشأن الأزمة المستعصية بين الطرفين في ما يتعلق بالسيطرة على صادرات نفط الإقليم.

ويبدو أن إعادة ضخ النفط من حقول كركوك لصالح إقليم كردستان، بادرة حسن نية لبدء المفاوضات لحل الخلاف المزمن بين بغداد وأربيل.

11