بغداد تستعيد فنانها المتصوف شاكر حسن آل سعيد

إقامة معرض يضم 23 عملا متحفيا تمثل ما تبقى من أعمال الفنان الراحل، وندوة نقدية وتوقيع كتاب حول صاحب نظرية البعد الواحد.
الأربعاء 2018/03/07
لوحة هارون الرشيد (عمل للفنان شاكر حسن آل سعيد)

بغداد - تقديرا واحتفاء واستذكارا للفنان المجدد شاكر حسن آل سعيد، نظمت دائرة الفنون العامة في وزارة الثقافة والسياحة والآثار العراقية، صباح الاثنين 5 مارس الجاري، فعالية تضمنت نشاطات متعددة منها: افتتاح معرض يضم 23 عملا متحفيا تمثل ما تبقى من أعمال الفنان الراحل، في القاعة الفنية الكبرى للدائرة، كما شهدت فعالية الاستذكار، علاوة على عرض لوحات الفنان العراقي والندوة النقدية، توقيع كتاب يتناول مسيرة الفنان الراحل بعنوان “شاكر حسن آل سعيد وخطابه الجمالي في الفن التشكيلي”، للكاتب والفنان علي إبراهيم الدليمي.

البعد الواحد والتجديد

 أقيمت ضمن التظاهرة ندوة جرى فيها استذكار مسيرة الفنان أدارها الناقد والفنان قاسم العزاوي، وشارك فيها كل من: الدكتور شفيق المهدي مدير عام الدائرة، والناقد باسم عبدالحميد حمودي، والأكاديمي عمر المطلبي، والدكتور أحمد غسان آل سعيد حفيد الفنان الراحل، والفنان علي الدليمي مدير المتحف الوطني للفن الحديث.

“الفنان والناقد التشكيلي الراحل شاكر حسن آل سعيد، رقم مهم ومتميز بحضوره، لا يمكن تجاوزه ونحن نتحدث عن الحركة الفنية والثقافية المعاصرة داخل العراق وخارجه، لأنه أول من أسس ووضع اللبنة الأولى في صرح النجاح الكبير الذي نحن عليه الآن في مسيرتنا التشكيلية المتفاعلة عالميا” هذا ما أكده الدكتور شفيق المهدي في حديثه.

 

عرف العراق مطلع وأواسط القرن العشرين حراكا فنيا هاما ومميزا، لم يتوقف عند الموسيقى والشعر والمسرح، بل كان له بالغ الأثر في ما يخص الفن التشكيلي الذي قدم من خلال خصوصية العراقة الحضارية للعراق فنا مختلفا للعالم خارجا من تربة بابل إلى المعاصرة والعالمية، ولا يمكننا أن نغفل اسمين هما جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد، من بين الفنانين المؤسسين للحركة التشكيلية العراقية

وأضاف المهدي “شاكر حسن من أكثر الفنانين تأثيرا في تاريخ الفن التشكيلي، هذا الرجل يجمع بين قوة عمل اللوحة والتنظير وتأسيس اتجاه نظرية البعد الواحد، والآن نحتفي باسم خالد في الحركة التشكيلية العراقية”.

بدوره قال الكاتب والناقد باسم عبدالحميد حمودي “حضرنا اليوم احتفالا متحضرا لفنان كبير، ومؤسس اتجاه في صناعة وصياغة اللوحة، فهو من أكثر الفنانين تأثيرا في تاريخ الفن التشكيلي العراقي، يحمل موهبة كبيرة ويمثل ظاهرة، إذ يمكننا أن نلاحظ الروحية العظيمة التي تحيط بلوحاته، وليست نظرية البعد الواحد هي الأساس بل ذات الفنان هي الأساس”.

“تجربة شاكر حسن آل سعيد تعد إحدى ركائز الفن التشكيلي الحديث، كما أن له الريادة في الكتابة وفق أسس وسياقات، فالفنان الراحل بنظرية البعد الواحد كان يدعو إلى النظر إلى الفن بتجرد بعيدا عن كل المسميات” هذا ما أكده الأكاديمي الدكتور عمر المطلبي. مضيفا أن الفنان الراحل أعطى إشارة للاحقين للانتقال نحو “اللا مشخص” والذي يعني أنماطا متعددة من التأويل، وهي دعوة إلى المجتمع للتوغل في قراءة النصوص بتجرد ما يعطي بناء هائلا من التأويل.

فيما قال الفنان والناقد قاسم العزاوي “احتفينا بالأمس بجواد سليم، واليوم نحتفي بفنان أرسى مفهوم الحداثة والتجديد في المشهد التشكيلي المعاصر، الروحانية تتجلى في أعماله لإخراج اللا مرئيات فنجد لوحاته اقتربت من البياض نحو التسامي”.

أما الدكتور أحمد غسان آل سعيد حفيد الفنان الراحل، فقد لخص منجز الفنان الراحل في أنه أكد واهتم بالإنسان، فهو القيمة الأساسية في الحياة، كما اهتم بالطبيعة، فأعماله امتداد لجماعة بغداد للفن الحديث ولكن امتدت إلى المرئي، وعمل على الاهتمام بالجماد، داعيا إلى التوجه نحو حفظ أرشيف الفنان الراحل بصورة رقمية فضلا عن ترجمته.

سيرة شخصية

جرى خلال الجلسة الاستذكارية توقيع الجزء الأول من كتاب “شاكر حسن آل سعيد .. وخطابه الجمالي في الفن التشكيلي” للكاتب والفنان علي الدليمي، والكتاب يمثل خلاصة جهد الكاتب الشخصي ودون أي دعم رسمي أو جهة أخرى، وعلى نفقته الخاصة. بلغ عدد صفحاته 404 وهو معزز بملحق ملون تضمن ما تبقى من لوحات الفنان المتحفية والبعض من لوحاته الفنية الأخرى، فضلا عن صور شخصية.

الكتاب يتصدى للسيرة الشخصية للفنان والتعريف بمسيرته الفنية ومعارضه داخل العراق وخارجه، وكتبه التي أصدرها

يتصدى الكتاب للسيرة الشخصية للفنان شاكر حسن آل سعيد والتعريف بمسيرته الفنية ومعارضه الفردية ومشاركاته العديدة داخل العراق وخارجه، وكتبه التي أصدرها، والجوائز التي نالها.

كما يتطرق الكتاب إلى موضوعات متنوعة كتبها الفنان آل سعيد، ما بين النقد والمتابعة والدراسة والتعقيب والرأي وغيرها، فضلا عن جدول لمقالاته المنشورة الأخرى، لكي تسهل للباحث والمهتم الرجوع إليها عند الحاجة.

كما اشتمل الكتاب على ملفات ومقالات عن بعض تجارب الفنانين العراقيين، نذكر من بينهم النحات جواد سليم، إسماعيل الشيخلي، عبدالكريم محمود، الحاج محمد سليم، زيد محمد صالح، حافظ الدروبي، عطا صبري، مديحة عمر، خالد الجادر، رؤيا رؤوف، إيمان عبدالله، سعد الطائي، وفنانة أردنية هي سهى شومان.

فنان مؤثر في تاريخ الفن التشكيلي، كان يجمع بين قوة اللوحة والتنظير. أسس نظرية البعد الواحد
فنان مؤثر في تاريخ الفن التشكيلي، كان يجمع بين قوة اللوحة والتنظير. أسس نظرية البعد الواحد

ووضح الدليمي الكاتب “آثرت أن نبتدئ من حيث رحيل فقيدنا التشكيلي الرائد شاكر حسن آل سعيد، لجعلها ذكرى استرجاعية لقراءة ما تيسر من بعض سطور صفحات مسيرته الفنية الطويلة المتقدّة (تجارب/ دروس)، والمتجددة في الإبداع المتواصل (المادي/ الفكري) الذي شيّد منه صرح مؤسسة خطابه الجمالي”.

وتابع الكاتب أنه كان لانبثاق “جماعة بغداد للفن الحديث” الأثر الريادي البارز في وضع اللبنات الأولى عام 1951، ومنها كل من الفنانين جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد وآخرون.. إذ كان لهم دور حاسم في تغيير بنية الحركة التشكيلية المعاصرة، في ما بعد، وكانت بمثابة النواة التي تم زرعها حتى انبعثت ثمارها لتنهل منها الأجيال إلى حد هذه اللحظة.

ويشير الكاتب إلى أن آل سعيد، لم يكن منظرا لتجربته الفنية والأدبية في طروحاته الفكرية فحسب، بل كان أستاذا ومعلما صريحا وصحيحا في رسالته الإبداعية، فقد علّمنا أن نقرأ “النصوص” النقدية والأدبية كافة، بكل جوارحنا وعواطفنا وبهاجس إنساني. وهدوء، وليس كـ”قراءة خبر صحافي عابر وسريع، ثم يُنسى سريعا ويذهب سدى”.

أما بخصوص أعماله الفنية فيوضح الدليمي أنها نتاجات ملموسة ارتقت إلى العالمية، ولها جمهورها الخاص، فضلا عن حضورها الشاخص في جميع المعارض والمحافل الدولية، التي اعترفت بشرعيتها الفنية والفكرية، دون منافس، والتي جاءت من خلال بصيرته الفكرية الحاذقة التي مارسها ما بين الرسم والكتابة والبحث.

 وتابع “الآن.. ونحن نجمع بعض ما كتبه، في جزء أول، من كتابنا هذا ‘شاكر حسن آل سعيد.. وخطابه الجمالي في الفن التشكيلي‘ وفاء وإحياء له ولذكره الخالد، ومن ثم لتوثيق زوايا مضيئة ومهمة من تأريخ مسيرتنا التشكيلية في العراق وبعض من تجارب الفنانين العراقيين، والآراء والتعقيبات التي رصدها وقدمها آل سعيد بصورة قلمية رائعة في النقد والتوثيق والإشارة والتنويه.. للحفاظ عليها من النسيان والفقدان”.