"بغداد عاصمة الثقافة العربية 2013".. حال الثقافة في عاصمة مسروقة الهوية

الثلاثاء 2013/12/03
الناقد ماجد السامرائي مع الدكتورة ندى العمار

في الأيام الأخيرة من اختتام احتفالية "بغداد عاصمة للثقافة العربية للعام 2013"، وبالنظر إلى ما صاحب هذه الاحتفالية من آراء انصبّ أغلبها على إبراز ضآلة مضامينها وغياب أهم رموز الثقافة العراقية من نجوم الشعر والرواية والفن والمسرح والسينما والكتابة عن تظاهراتها، جاز لنا أن نسأل عن حال الثقافة في عاصمة جمهورية عراق الشعر والكتابة والتأليف والعملقة الأدبية، وهي تحتفي بذاتها كعاصمة للثقافة العربية، وهل نجحت بغداد في احتفاليتها؟ أم هي نجحت في عزل الثقافة العراقية عن محيطها الكوني -عربيًا ودوليًا- باستبعاد كل رموز ثقافة العراق؟.. أسئلة عدّة توجّهت بها "العرب" إلى عدد من المثقفين العراقيين ممن هم في الداخل العراقي، وممن اختاروا المنفى قسرا أو عن طواعية، وذلك في إطار هذا التحقيق.

منذ العام 1996 تحتفي الدول العربية بإحدى عواصمها كعاصمة للثقافة العربية، وذلك إثر اقتراح للمجموعة العربية في المنظمة العالمية للتربية والثقافة والعلوم "اليونسكو" وهو بدء تطبيق فكرة "عاصمة الثقافة العربية"، وقد كان هدف "المجموعة العربية" في المنظمة الدولية من هذه الفكرة إظهار الإمكانيات الحضارية للمدينة المعنية ودروها التاريخي والمعاصر في الإبداع الثقافي والحضاري، وقد اختيرت بغداد "عاصمة للثقافة العربية" للعام 2013"، وهي الآن تعيش اختتامية هذه الاحتفالية الثقافية.


مارينز ثقافي


بداية حديثنا كانت مع الكاتب فاضل الربيعي، الذي قال: "إن تحصل بغداد على لقب عاصمة الثقافة العربية وهي تتمزق وتتلوى من الألم، ويعمّ الخراب كل ركن فيها، فتلك هي المفارقة المأساوية بأتمّ المعاني. ليس في هذا الاختيار أي نوع من العزاء، ذلك أن الذين اختاروا بغداد يدركون الحقيقة الموجعة التالية: إن المدينة ينهشها تمزق طائفي، ويشطرها انقسام ديني يولد انقسامات في كل شيء. فما الذي يمكن تخيّله من حياة ثقافية في مدينة ممزقة؟ بالنسبة إليّ يبدو المشهد الثقافي العراقي الراهن، تجسيداً لمشهد الخراب والتآكل السياسي والاجتماعي والاقتصادي. عندما تكون المدينة خرابًا فليس ثمة من جدوى لأي قول أو وصف إنها مدينة- عاصمة للثقافة. ومع ذلك، ثمة ما يدعوني لتقبل الأمر الواقع، فبغداد كانت ولم تزل عاصمة للثقافة العربية من دون الحاجة لقرار. إن روحها التاريخية الوثابة، وقدرتها على الصمود والبقاء في المسرح التاريخي، هي التي تؤهلها لأن تظل في أنظارنا عاصمة قديمة للثقافة".

استعانت أميركا بـ"المارينز الثقافي"، وهم من المثقفين العراقيين الذين عاشوا في الخارج، ومزقوا هويتهم الوطنية هناك، وعادوا بجنسيات مختلفة، لتنفيذ مهمة تمزيق هوية العراق الثقافية

بدوره يقول الأديب والناقد ماجـد السـامرائي: ’’حين نتكلم عن "ثقافة العراق" إنما نتكلم عن "هوية العراق الثقافية"، ونحن اليوم في "عراق بلا هوية"، على كل صعيد، وفي كل مستوى، وليس في مستوى الثقافة وحدها. وليس غريباً أن يكون الأمر على هذا النحو، وأن يطال التمزق ثقافته.. بل أقول تأكيدًا لواقع وحقيقة نعيشها: إن أول ما عمدت إليه أميركا يوم غزت العراق فاحتلته عام 2003، هو تمزيق هويته الثقافية من طريقين تزامن المسار عليهما: فأولا، كان هناك التدمير المنظم لإرث العراق الحضاري بكل ما لهذا الإرث من عمق تاريخي.. وثانيا، تمزيق البنية المجتمعية، فأوجدت بديل "الهوية الوطنية" الواحدة "هويات طائفية"، وأخرى "إثنية" لا خصائص تاريخية لها.. وعمدت إلى أن تفرضها على الثقافة والواقع الثقافي، أو ما تبقى منهما...

واستعانت أميركا، لتحقيق ذلك، بمن أسميتهم "المارينز الثقافي" ، وهم من المثقفين العراقيين الذين عاشوا في الخارج، ومزّقوا هويتهم الوطنية هناك، وعادوا بجنسيات مختلفة، مستعينين على تنفيذ "مهمتهم الأميركية" بالبعض من أصحاب "الهويات القلقة" من مثقفي الداخل، فعملوا معا على تمزيق هوية العراق الثقافية، لتغدو مؤسسات الثقافة مبنى ملحقا باسم رمزي لا دور فعليا له على أرض الواقع...


صدمة فكرية


في الإطار ذاته، يرى الكاتب والباحث العراقي مازن لطيف أن: "الثقافة العراقية تقف اليوم أمام تحديات كبرى لعل في مقدمتها إعادة ترتيب نفسها والبدء في تأسيسها الذاتي السليمة بعد عقود من الخراب والتدمير الهمجي. فالحقل الثقافي العراقي اليوم مطالب بكل مستوياته ونماذجه وأصنافه ومستوياته الإبداعية: شعرا وأدبا، كلمة ورسما، نحتا وعمارة، فكرا وسياسة، أن يكون بمستوى الحدث العميق الذي مسّ الحياة العراقية برمتها. فلم يعد الحوار الثقافي العراقي حوارا بيزنطيا، أو ترفا. لم يعد المنتج الحقيقي في حاجة إلى رهانات "خارج إبداعية"، تتلاعب بها الأهواء وتحكمها النزوات. الثقافة العراقية اليوم مسؤولة أمام التحديات الراهنة لواقع الإنسان العراقي وحلمه في الحياة والإبداع معا. وإذا ما كان سقراط المثال الطيب للوصول برسالة «الرائي، العالم، المبدع» إلى نهايتها، حتى ولو كانت على حساب حياته الزمنية، فعلى المثقف والمبدع العراقي أن يتعلم الدرس.. لا درس السمّ و كأس النهاية. فالعراق اليوم ليس في حاجة إلى شهداء وضحايا وأبطال من نماذج الماضي، إنه يحتاج إلى يقظة وحكمة، إلى قراءة منتجة وتأويل يفضي إلى درس نقدي كبير. بل يمكننا القول، إنه في حاجة إلى «صدمة» تضعه أمام رؤية الواقع والنفس كما هي، ومن ثم تحريره من مختلف المكونات الخربة، والأطباق الشهية لسموم التقليد والبلادة المتحزبة، أيًا كان شكلها ومستواها ومصدرها.


سنوات عجاف


من جهته، يضيف الناقد التشكيلي مؤيد داود البصام، قائلا: ’’هل حقيقة نستطيع القول إننا أنجزنا احتفالية بمقام ومكانة بغداد؟ وبالميزانية التي وضعت لها، والإمكانيات التي جهزت في خدمتها، عند الجرد الحسابي سنصاب بخيبة أمل كبيرة، وسنجد أنفسنا أمام كارثة حقيقية غير معترف بها، ارتكبت بحق عاصمة ألف ليلة وليلة، دوائر اشتغلت ودوائر لم تشتغل، والسؤال من الذي يحاسب من؟ هل كانت هناك خطة؟ وهل هناك لجان شكلت قبل بدء العد التنازلي لبدء الاحتفالية؟ وإذا شكلت وتوقف عملها بفعل فاعل، من سيحاسب من؟ نحن وضعنا في بوتقة لها عنق اسمها القرارات والدستور والعملية السياسية البريمرية (نسبة إلى بريمر)، صيغت بإتقان ودراية، كما صيغت القرارات التي كبلت العراق بعد حرب الخليج الأولى. ومن أستطاع أن يخرج من عنق الزجاجة هناك من يتلقفه ليسحبه ويركن إلى جانبه، هذا هو حال كل شيء في العراق وليس الأمر مقصورًا على احتفالية "بغداد عاصمة الثقافة العربية"، لا تعرف من الذي يصدر القرارات ومن ينفذها، هل هي المزاجية؟ هل المصالح الشخصية والمنافع الذاتية؟ هل هي أيد متشابكة مع المحتل الذي غادر ولم يغادر؟ ويريد استمرار تهديم تراث وحضارة العراق، وتدمير عقلية العراقيين وبناهم التحتية، وتفتيت المجتمع، وإيجاد بنى تحتية جديدة وعقلية مرتبطة بالنظام الذي يضعه لهم، ومجتمع مفصل ضمن قياسات معينة، طائفي عرقي إثني، كل هذه الأسئلة تدور، عندما تنظر لأمر "بغداد عاصمة الثقافة العربية"، وهي ليس فيها سينما واحدة، وليس لديها سوى مسرح واحد يستخدم لكافة الأغراض. وبلد الستة آلاف سنة على ولادة حضارته، لا يملك موسوعة لأدبائه وفنانيه من تشكيليين ومسرحيين وسينمائيين وبقية الأنساق، أي جيل سينهض بعد هذه السنين العجاف ليعرف تاريخه، وليس لديه تاريخ".

العراق يلملم جراحه باحتفالية بغداد عاصمة الثقافة العربية

ونتابع حديثنا مع التشكيلي حسن ضياء النصار، رئيس مؤسسة اتجاهات الثقافية، ومدير قاعة مدارات للفنون، فيقول: ’’كنا نعول كثيرًا على انطلاق فعاليات "بغداد عاصمة للثقافة العربية لعام 2013" والتي سبق التحضير لها على مدى عام كامل قبل موعد انطلاقها في مارس 2013.. كنا نتأمل من هذا الحدث أن يشكل نقطة تحوّل في التعاطي مع ملف "الثقافة في العراق"، الذي ظل مركونًا طيلة السنوات الماضية.. فقد أفرزت متغيرات الواقع إهمالاً لتنمية الثقافة، ربما باعتبارها نتيجة ستتحقق لاحقًا بشكل تلقائي بعد مرور البلد بسلسلة التغييرات الجذرية، بفعل العوامل الضاغطة لمفهوم الفوضى الخلاقة الذي اعتمد في سياسات سلطات الاحتلال للتعامل مع مشاكل العراق.. أو ربما تمّ اعتبارها ترفًا، لا ينبغي وضعها ضمن الأولويات في ظل ظروف الطوارئ التي كانت سائدة آنذاك.. واعتمد نمو الواقع الثقافي على مبادرات فردية متفرقة، وعلى فسحة الحرية التي توفرت ضمنياً بفعل انشغال السلطة عن احتياجات نمو الثقافة، وكذلك بروز دور التجمعات والمنظمات غير الحكومية التي لعبت دورًا تعويضيًا عن الرعاية التي كانت تقدمها المؤسسة الرسمية، المتمثلة في وزارة الثقافة، والتي كانت بدورها في طور التكوين والتأسيس على ذات الأساس الذي اتبع في بناء مؤسسات الحكومة الجديدة، أي بمراعاة الاعتبارات الحزبية، وليس مقومات الكفاءة.


غرباء ثقافيون


وبسؤالنا النحات خالد المبارك، عن رأيه وتقييمه لراهن المشهد الثقافي في بلاده، أفادنا قائلا: ’’إن ما حدث من تغير في مجريات الأحداث ومن الهجمة التي قادتها أميركا تجاه المنطقة عمومًا والعراق خاصة شيء منظم ووفق أجنده مدروسة ومخطط لها بعناية، ولها ارتباطات دولية ومصالح ساهمت بتنفيذها دول كبيرة. والضحية هو البلد وما يمتلك، وكل ما يمتُّ له بصلة من تاريخ وثقافة وموروث اجتماعي وبالتالي هو الإنسان -وإن صحت العبارة- هي الهوية الثقافية والفكرية وهي أخطر حلقة من حلقات البنى التحتية لثقافة شعب، وهو الإتيان على ما تبقى من ممتلكات ثقافية وفكرية كانت إلى وقت قريب تصارع البقاء، إلى ما قبل العام 2003 وما بعده بدأ الانحدار الأكثر شراسة، ومن المعروف أن للسياسة أجندتها وأدواتها وأهدافها التي تقوم على حساب كل شيء موجود وذا قيمة حضارية، فما حصل هو شيء مرعب ومخيف بدأت حلقاته تظهر قبل هذا التاريخ، ومنذ زمن، وكما أسلفت، ما ينتج الآن ويحسب للثقافة هو شيء ضئيل ولا يستحق الإشادة، كونه أعمالا فردية لما تبقى من أناس يصارعون الحياة والبقاء، إزاء عالم مليء بالعتمة والتشويه بل تغريب المغرب".

مرض الإبداع

ما ينتج الآن ويحسب للثقافة، هو شيء ضئيل ولا يستحق الإشادة، كونه أعمالا فردية لما تبقى من أناس يصارعون الحياة والبقاء، إزاء عالم مليء بالعتمة والتشويه بل تغريب المغرب

وجهة نظر مخالفة يقدمها لنا الفنان والأديب قاسم العزاوي، حول واقع المشهد العراقي اليوم، وبغداد تعيش على وقع احتفاليتها الثقافية، يقول محدثنا: ’’إذا ما عدنا إلى مرجعيات بغداد الثقافية وما تكتسب من أهمية ثقافية ومعرفية وبجميع مفاصل الثقافة، سنرى أنها كانت "عاصمة الدنيا الثقافية" على مرّ العصور وليس لهذا العام فقط.

وهي من زمنٍ بعيد محجاً للمثقفين وطلاب العلم ومن شتى بقاع العالم يتوجه إليها طلاب العلم لينهلوا من منابع ثقافاتها المتعددة من: شعر وفقه وفلسفة وطب وعلم اجتماع وموسيقى ومن جميع ضروب الفن، فلا عجب أن تكون عاصمة للثقافة العربية لعام 2013. ويكفي أن العراق كان صاحب الريّادة والتجديد بالشعر العربي على يد بدر شاكر السيّاب ونازك الملائكة والبياتي وبلند الحيدري، وصاحبة الريّادة في علم الاجتماع وعلي الوردي يؤسس ملامحه.

ويكفي أن الفنان الرائد جواد سليم له الفضل في التجديد بالمشهد التشكيلي العراقي المعاصر، مع بقية الفنانين الرواد من أمثال فائق حسن ومحمود صبري وعطا صبري وحافظ الدروبي وشاكر حسن آل سعيد والقائمة تطول، وإلى الآن يدور في فلك التشكيل العراقي معظم الفنانين العرب. وبالمشهد الموسيقي والغنائي المتميز ذات البصمة الخاصة وكما قال الموسيقار محمد عبد الوهاب عنه: "كل الأغاني العربية تدور في فلك الأغنية الموسيقية ماعدا الغناء العراقي فله خصوصيته وتفرده وحلاوة مقاماته وأنغامه".

وأخيراً يحدثنا الروائي المغترب صلاح صلاح ،المقيم في كندا، عن رؤيته للمشهد الثقافي الراهن، وتقييمه له عن بعد حيث يقول: ’’بثقة يمكنني القول، إن هناك تحسنًا في المشهد الثقافي العراقي. فالحرية الفكرية في وضع أفضل من السابق، وهناك مبادرات جميلة تستحق الإطراء، من مثل مشروع القراءة. وهناك ندوات ومحاضرات. وهناك أيضًا مساحة واسعة في استخدام تكنولوجيا الاتصالات التي حققت تواصلاً ممتازًا بين كثيرين. أضف أن هناك مشاريع لتأسيس دور نشر، هي في الغالب مبادرات فردية، إلا أن هذا التقدم يعيش في بيئة سلبية، مثل الاضطراب السياسي وغموض الجو العام. أيضًا عدم استقرار الوضع الأمني وكل هذه عوامل تؤثر وتعيق الإنتاج الثقافي. دون أن ننسى أن لا سياسة تعليمية واضحة حتى الآن تدعم القراءة ، مثل ما هو متوفر في الكثير من بلدان العالم.

15