بغداد من مدينة السلام إلى مدينة البؤس

الاثنين 2014/03/24
بغداد مدينة السلام تتحول إلى عاصمة التفجيرات

بغداد - احتلت العاصمة العراقية بغداد المركز الأخير حسب الدراسة السنوية للأماكن الأفضل للعيش والتي تعدها مجموعة “ميرسير” للاستشارات بين 223 مدينة شملتها الدراسة، وذلك للمرة الثانية بعد دراسة سابقة أجريت العام 2011.

وحلت أمام بغداد، التي تعتمد حكومتها موازنة سنوية تتجاوز قيمتها 100 مليار دولار، مدن مثل بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى، وبور أو برانس في هايتي، ونجامينا في تشاد.

وجاء تصنيف بغداد الأسوء بسبب غياب الأمن ونقص الخدمات وفقا للدراسة التي تستند في تقييمها إلى نحو 40 عاملا من ضمنها البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية فضلا عن وسائل الترفيه والسكن والبيئة الطبيعية.

وقال حميد الدراجي (48 عاما)، وهو تاجر ورق، إن “الوضع محزن في بغداد وأحيانا يبكينا، بغداد الجميلة أصبحت خربة اليوم”.

وأضاف بحزن “إن مشاكل بغداد لا تعد ولا تحصى وأغلب الناس يصابون بأمراض مثل الضغط والسكري والأمراض النفسية بسبب الوضعين الأمني والخدمي المترديين”.

وتابع “الوضع مقيت، نعيش في ثكنة عسكرية، الأغنياء والفقراء يشتركون في المعاناة، فالغني من الممكن أن يتعرض في أية لحظة لانفجار أو سلب أو قتل والفقير كذلك، والموت حاضر أمام أعيننا في كل آن”.

غياب الأمن ونقص الخدمات يزيدان العراقيين بؤسا

ورغم ذلك، يأمل أبو مصطفى في تحسن الأوضاع قائلا “أنا وكثير من الأصدقاء ننتظر ما سيحدث بعد الانتخابات التشريعية التي من المقرر أن تنظم في 30 أبريل القادم”.

ويتطلع أغلب العراقيين إلى تحسن الأوضاع عبر تغييرات في شكل الحكومة القادمة.

واحتفلت بغداد قبل عامين بذكرى مرور 1250 عاما على تأسيسها، وهي تكافح لاستعادة بعض من بريق ماض رسّخ لها مكانة مرموقة في التاريخ الإسلامي والعربي قبل أن تمحوه صراعات لم تتوقف منذ عقود.

وبدأ بناء بغداد على ضفتي نهر دجلة في يوليو من العام 762م في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور (714-775) الذي أطلق عليها اسم “مدينة السلام”.

وأدت بغداد منذ إنشائها دورا محوريا في الحضارتين الإسلامية والعربية، وكانت ضمن أفضل مدن العالم في سبعينات القرن الماضي.

ويقول أستاذ التاريخ السياسي في جامعة المستنصرية عصام الفيلي “إن بغداد كانت تمثل المركز الاقتصادي الأكبر للدولة العباسية وقد اتخذت كمنطلق للسيطرة على مناطق أخرى مجاورة بهدف تعزيز النفوذ الإسلامي”.

ويضيف “أما بغداد اليوم، وبعد أن كانت بمثابة عاصمة العالم، باتت واحدة من أكثر مدنه بؤسا”.

وشهدت بغداد على مر التاريخ صراعات داخلية وغزوات خارجية بعدما أثارت طمع المتربصين بدورها الريادي في ذلك الوقت.

وتعيش بغداد، ومنذ الاجتياح الأميركي العام 2003، على وقع أعمال عنف يومية تشمل الهجمات الانتحارية والمسلحة والعبوات الناسفة والسيارات المفخخة والاغتيالات التي تنفذها ميليشيات وعصابات مسلحة.

وتبدو العاصمة بسبب أعمال العنف هذه، التي قتل فيها عشرات الآلاف منذ سقوط نظام صدام حسين، عبارة عن وعاء أسمنتي كبير، حيث تنتشر في شوارعها الحواجز الأسمنتية والأسلاك الشائكة التي تحيط خصوصا بمبانيها الحكومية ومقرات الوزارات والمصارف خوفا من التفجيرات.

وتضفي هذه الجدران الأسمنتية طابعا من الكآبة على العاصمة التي يسكنها نحو 8 ملايين نسمة وتحمل معظم مناطقها ملامح البؤس والافتقار إلى الخدمات الأساسية، حيث تنتشر النفايات في أغلب الشوارع، ويطبع سوء التنظيم والترتيب محالها التجارية.

ورغم كل ذلك، قال أمين بغداد نعيم عبعوب في لقاء تلفزيوني قبل أيام “إن بغداد أجمل مدينة بغداد حلم وأجمل مدينة حاليا وسابقا ومستقبلا”.

العراقيون يأملون أن تستعيد بغداد بعضا من ماضيها

وأضاف في تصريحاته التي أثارت سخرية العراقيين على مواقع التواصل الاجتماعي “بغداد أجمل من نيويورك ودبي”.

ويقول عامر الجلبي رئيس “منظمة الإعمار الإنسانية”، التي تقيم حملات مدنية تهدف إلى تحسين الوضع الخدماتي في بغداد مثل تنظيف الشوارع، “تألمت وحزنت فعلا لكون بغداد صنفت الأسوأ بين مدن العالم”.

وأضاف أن “الحكومات المتتالية لم تعمل على تطوير بغداد التي باتت مهجورة وتعاني عدم الاستقرار وتتحول في الليل إلى مدينة أشباح لإنعدام الإنارة”.

ورغم أعمال العنف اليومية، لا تزال شوارع بغداد تنبض بالحياة كامل ساعات اليوم وتغص أغلبها بالمارة والمتسوقين وقاصدي المطاعم والمقاهي.

ويقول دبلوماسي عربي يعمل في بغداد: “لم أتخيل يوما أني سأعمل في أسوأ مدن العالم، لكن في الوقت ذاته أشعر بالفخر تجاه هذه المدينة التي لم تمت ولا يبدو أنها ستموت”.

ويتابع “إنها تجربة رائعة في عاصمة ثرية في كل شيء. لكن للأسف، تحتاج هذه المدينة إلى عشر سنوات على الأقل لتستعيد شيئا من تاريخها”.

20