بقاء الأبناء في المنزل يؤرق الأمهات

إقناع الأطفال بالانعزال تحد صعب تواجهه الأسر الجزائرية خلال الحجر الصحي.
الجمعة 2020/03/27
مزاج متقلب

وضعت إجراءات الحجر الصحي التي اتخذتها العديد من دول العالم بسبب تفشي فايروس كرونا جميع الأمهات تقريبا وجها لوجه مع أطفالهن طوال اليوم، مما ضاعف من حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقهن.

الجزائر - على غرار أغلب دول العالم رحب الآباء والأمهات بتقديم العطل المدرسية والجامعية وإغلاق الروضات والحاضنات بعد ظهور وباء كورونا في الجزائر، إلا أنهم في الوقت ذاته لفتوا إلى أنهم يجدون صعوبة في ملء فراغ أبنائهم الذين باتوا حبيسي جدران المنازل، فلا مدارس ولا أماكن للترفيه يذهب إليها الأطفال ولا التقاء بالأصدقاء ولا حتى اللعب أمام المنزل وهذا يعني أن الأطفال مضطرون إلى البقاء داخل المنزل مما يشعرهم حتما بالضجر، ويضاعف مسؤوليات الأمهات ومتاعبهن.

وأشار المختصون إلى أنه مع توقف العمل وإغلاق المدارس للأطفال تواجه الأسر مشكلة التعامل معهم، وتعيش الأمهات خاصة حالة من التوتر سببها منع خروجهم من البيت وما يحدثونه من ضجة وصراخ وفوضى.

وعبر العديد من الأولياء عن امتعاضهم إزاء هذا الوضع الذي قلب روتينهم اليومي رأسا على عقب، حيث وجدوا أنفسهم مجبرين على البقاء في البيت من جهة وتسيير وقت فراغ أبنائهم من جهة أخرى.

وقالوا إنه من أصعب التحديات التي تواجهها العائلات في هذه المرحلة الحرجة التي يمر بها العالم هو إقناع الأطفال بالبقاء في المنزل، والتوقف فجأة عن الذهاب إلى المدرسة أو المراكز التجارية والسينما والملاهي، وحتى الحدائق التي كانوا يلهون فيها يوميا، باختصار إقناع طفل صغير بالتخلي عن كل وسائل الترفيه والتسلية الخارجية التي كان يمارسها يوميا منذ سنوات والبقاء في منزل صغير لا تتجاوز مساحته عشرات الأمتار المربعة في أحسن الأحوال.

الأولياء يواجهون صعوبة كبيرة في الاضطلاع بالمهمة التي تولتها عنهم الحضانات والمدارس طوال النهار

ولفت العديد من الأولياء إلى أنهم تخلصوا من بعض الأعباء على غرار إيصال الأبناء إلى المدرسة أو الروضة والرجوع مساء لأخذهم إلى البيت، إلا أن البقاء مع الأبناء في المنزل يتطلب البحث عن حلول لملء وقت فراغهم والذي يعتبره أولياء الأمور بأنه ليس بالأمر الهين نظرا إلى المزاج المتقلب للأبناء في هذه الظروف.

وقالت إحدى الأمهات لوكالة الأنباء الجزائرية (وأج)، “أحد أبنائي مشاكس ويفعل ما يحلو له، إذ أعاني في الكثير من الأحيان لجعله يمتثل لأوامري دون اللجوء إلى العقوبات”.

وأكدت أمهات أخريات أنهن “مستاءات بشأن ضرورة منع أطفالهن من اللعب في الخارج مع أصدقائهم وجيرانهم نظرا إلى تخوفهن من انتقال عدوى فايروس كورونا” وأشرن إلى أن اللعب في الشارع قد يكون في بعض الأحيان مجالا لاستيعاب طاقة الأطفال الفائقة.

وعبرت غالبية الأسر عن قلقها من لجوء أطفالها المفرط إلى شبكة الإنترنت والإفراط في اللعب واستخدام مواقع التواصل الاجتماعي، معتقدة أن “وقت فراغهم الزائد يحيلهم إلى تصفح الإنترنت”، إلا أن البعض أوضح أن اللجوء إلى الإنترنت “لا يكون إلا بعد مراقبة المضامين التي يقع الاطلاع عليها”.

خطر محدق
خطر محدق

وقال أحمد خالد رئيس الجمعية الوطنية لأولياء التلاميذ في الجزائر إنه وأمام هذا الوضع “صار ينبغي على الأولياء حث أطفالهم على التأني والتريث ومحاولة ملء وقت فراغهم على نحو مفيد” داعيا الأولياء على الصعيد التربوي إلى تشجيع أطفالهم على “مراجعة الدروس السابقة وإن أمكن تحضير دروس الفصل الثالث”.

وأضاف أنه “نظرا إلى كثرة تواجد الأمهات إلى جانب أطفالهن فهن خاصة من ينبغي عليهن إعداد جدول زمني لأبنائهن مع إرشادهم إلى مشاهدة برامج تلفزيونية ترفيهية بل وتدريبهم على اختراع لعب ترفيهية” ولفت انتباههن إلى ضرورة تحديد أوقات تصفح الإنترنت ولاسيما شبكات التواصل الاجتماعي.

وبين الخبراء أن هذه الظروف الاستثنائية جعلت ملايين الأطفال مجبرين على تمضية يوم تلو الآخر داخل المنزل دون الالتقاء بالأصدقاء أو الذهاب إلى منزل الجد والأقارب وليس لديهم ما يشغلون به أوقات فراغهم. وأضافوا أنه من المرجح أن يعاني الكثير من آباء الأطفال الصغار حول العالم عندما يضطرون للعمل من المنزل والاعتناء بأطفالهم في نفس الوقت، ومن ناحية أخرى من المرجح أن يشتاق الأطفال الأصغر سنا إلى زملاء اللعب.

ونصح علماء الفايروسات في الجمعية الألمانية للأمراض المعدية بعدم إقامة دار حضانة بديل في منزل أحد الآباء. لأن هذا لن يؤدي سوى إلى إفساد فائدة الابتعاد الاجتماعي وزيادة خطر العدوى. وبتعبير آخر، هذا بالضبط عكس المرجو من غلق منشآت رعاية الأطفال والمدارس.

ولفتوا إلى أن إقامة دار حضانة بديل في منزل أحد الآباء ينطوي على مجازفة أكبر إذا ما اشتمل على عدد أكبر من الأطفال وإذا ما خالط الآباء والأطفال أشخاصا مختلفين في أيام مختلفة.

ونبهت سام كاترايت، أستاذة علم نفس الأطفال في جامعة ساسيكس، إلى أن هذه الظروف “بمثابة زوبعة بالنسبة للأولياء والأطفال”، مشيرة إلى أن المشكلة لا تكمن في أن الأطفال مجبرون على الانعزال في مكان واحد فقط، فبالإضافة إلى ما يشعر به الأطفال من ضجر ينتاب الآباء القلق بشأن وظائفهم وتوفير الأكل ودفع الفواتير، مما يضاعف شعورهم بالضغط والتوتر، وفق تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية “بي.بي.سي”.

وللتخلص من المشكلات التي قد يحدثها الأطفال أوصت كاترايت الأسر بأن تضع لهم برنامجا لنشاطات روتينية يشغلون بها وقتهم، مثل قضاء ساعتين صباحا ينجزون فيهما أعمالا مدرسية، ويخصصون فترة مسائية للنشاطات الفنية.

ولفتت إلى أن الأطفال يميلون إلى الانطواء إذا قضوا فترات طويلة في الوحدة، ونصحت الأولياء باللعب مع الأطفال وتشجيع الذين يحبون المغامرة منهم على اعتبار هذه الظروف مغامرة، مشيرة إلى أن هذه المقاربة لا تنفع مع الأطفال الأكثر حساسية، والذين يحتاجون إلى المزيد من الطمأنينة.

التعلم لتخطي الظرف الاستثنائي
التعلم لتخطي الظرف الاستثنائي

واقترحت الخبيرة النفسية أن يبقى الأطفال على اتصال مع زملائهم في النوادي والجمعيات عبر السكايب، وغير ذلك من وسائل التواصل الأخرى، لافتة إلى أنه “لا بد من القلق بشأن طفل لا يجد من يلعب معه لمدة 6 أشهر. فعلينا أن نجد طرقا خلاقة لتمكين الأطفال من التواصل في ما بينهم عن بعد، ومن بينها الألعاب على الإنترنت”.

وقال المختصون إن الأولياء يواجهون صعوبة كبيرة في الاضطلاع بالمهمة التي تولتها عنهم الحضانات والمدارس التي تكفلت برعاية الأطفال طوال النهار. وأوضحت كاترايت “نتحدث كثيرا عن التوازن بين الحياة العائلية والعمل وكيف أن الأولياء لا يقضون وقتا كافيا مع الأطفال. هذا الأمر لم يعد مشكلة هذه الأيام. فعلينا أن ننظر إلى الجانب الإيجابي في هذه الظروف”.

وترى مدربة التنمية البشرية التركية الأستاذة حكمت بسيسو أن الخطوة الأولى الواجب على الأهالي القيام بها في هذه الظروف الاستثنائية هي توعية الأطفال بمبدأ وجود ظرف استثنائي؛ مشيرة إلى أنه على الأهل بناء حوار مع الأطفال والتوضيح لهم بأن بقاءهم في البيت بمثابة المسكن والسكينة والحضن الآمن ضد فايروس كورونا، وتعزيز علاقة الأطفال بمفهوم قيمة البيت وأهميته في اللجوء وقت الأزمات والطوارئ.

ونصحت الأخصائية الاجتماعية بتحفيز الأطفال على قضاء وقت أطول في البيت عن طريق تزيين البيت بشتى الوسائل المتاحة، وترك مساحة كبيرة للطفل لممارسة الألعاب بحرية، والتخلي عن جانب الترتيب القائم في الأيام العادية، وتخصيص زوايا معينة للعب وإشعار الطفل بامتلاكه للمنزل وهو ما من شأنه تقوية علاقة روحية ونفسية مع الطفل، والابتعاد عن المشاحنات والتوتر، حسب موقع “تي.آر.تي العربية”.

ولفتت بسيسو إلى أهمية القيام بأنشطة مختلفة مثل تغيير ديكور المنزل باستمرار، ومشاركة الطفل في ترتيب خزانة ملابسه، والتخلص من الملابس غير اللازمة، وتعليمه عادة إعادة التدوير، وممارسة الرسم والتلوين بحرية وعلى نطاق واسع.

وشددت على ضرورة الابتعاد عن تعنيف الأطفال أو الإكثار من إصدار الأوامر لهم لما يترتب عليه من آثار نفسية سلبية، ودفعهم إلى المشاركة في الأعمال المنزلية بأساليب مبتكرة، مبينة أنه عند تعليم الطفل التعاون والمساعدة في ترتيب البيت بطريقة فنية ومضحكة يتولد لديه شعور بالانتماء إلى بيته والاستمرارية في العمل بحب وإخلاص.

وحذرت من خطورة إدمان الأطفال على الأجهزة الرقمية، مشددة على دور الآباء والأمهات في ترسيخ مفاهيم سليمة وعادات صحيحة لاستخدامها بشكل مدروس وممنهج.

وأشار الخبراء إلى الجانب الإيجابي للمكوث في البيت، حيث يعدّ فرصة لدى الأهل لإمضاء المزيد من الوقت مع أولادهم وهو الأمر الذي يوفر لهم فرصة أكبر لمشاركة الكثير من الأنشطة والأفكار التي ربما لم تكن متوفرة في السابق، وهذا من شأنه أن يعزز دور العائلة، ويعيد إليها اعتبارها القديم في التربية وتنشئة الأجيال.

21