بقايا الأشجار تتحول إلى نساء جميلات

منذ مطلع الألفية الجديدة والفنانة التشكيلية البحرينية عائشة حافظ تحضر عبر تجربتها في معارض تنوعت بين الجماعية والشخصية، راسمة ملامح اختياراتها التي تتكئ على رؤيتها للعالم وفق منظورها الفلسفي لتحضر في معرضها الشخصي الأخير “غابة الجميلات” راصدة لتشكلات وعيها الخاص حيال الكون بشكل عام والمرأة على وجه الخصوص. ومع معرضها الأخير تجلس في مرسمها مجموعة مشاريع تتعتّق بهدوء إلى حين أن تأتي ساعتها. “العرب” توقفت معها في هذا الحوار حول تجربتها الفنية الأخيرة.
الثلاثاء 2017/12/26
الأشجار الميتة تحمل أجسادا أنثوية بكامل كبريائها

مجموع أعمال معرض “غابة الجميلات” للفنانة التشكيلية عائشة حافظ المفتتح مؤخرا في صالة جمعية البحرين للفنون التشكيلية، 38 مجسما، اعتمدت حافظ في تكوينها على سيقان وجذور وجذوع الأشجار. وقد استغرق العمل على أعمال المعرض زمن اختمار التأمل في التجربة منذ 2008 حين صادفت فنانتنا قصيدة محمود درويش “الجميلات هن الجميلات” لتنتهي من العمل عليها عام 2014. ست سنوات لكنها ليست ستا على نحو الحقيقة، فترويض السيقان والجذوع الخشنة لتصبح رخوة احتاج منها العمل منذ سنة 2000 حينما تركتها فوق سطح بيتها لتواجه الطبيعة والأمطار وحرارة الشمس تدريبا يحوّل خشونتها إلى كائن مرن يفجر ما في أعماقه من جمال وإبداع طبيعي كما تكشفه لنا الفنانة.

الأشجار نساء

بداية تحدثنا ضيفتنا عن مناخات معرض “غابة الجميلات”، وعلى ماذا تتكئ فكرته بالدرجة الأولى، قائلة “مناخات أعمالي الخاصة بغابة الجميلات بدأت في بيروت حين كنت هناك عام 2008، وبالصدفة وأنا أتصفح الجرائد قرأت قصيدة للشاعر محمود درويش بعنوان ‘الجميلات هن الجميلات‘، فإذا بهذه القصيدة تفجر مخيلتي، وأصبحت محفورة في عقلي ووجداني. وحيث كنت قد قدمت معرضي الأول عام 2004 ‘أرى الموسيقي’، وهو معرض جسدت فيه الفن العضوي من خلال مجسمات نحتية من جذوع وجذور الأشجار وبقايا السفن الخشبية، وكنت محتفظة على سطح منزلي بالعشرات من الجذوع والجذور الطويلة بمنحياتها ورقصاتها، ولذلك أصبحت فكرة الجميلات بوصلتي لتحويل هذه الكائنات الجامدة إلى روح تعبر عن هذه القصيدة الجميلة”.

وتتابع حافظ “وهنا كلما أرى جذعا أو جذرا أو غصنا أتخيلها جميلات ضعيفات قويات أميرات وحيدات مجتمعات طويلات كنخل بلادي، وقصيرات كبراعم زنبق وقاتلات شامخات. لحظة قراءتي للقصيدة جلست أتأمل وجوه صبايا بيروت في شارع الحمراء وهن في غابة المجتمع الإنساني جريئات منطلقات، فرحات وحزينات، القبح والجمال فيهن، والقوة والتحدي والشموخ ديدنهن. حينها بدأت أجمع جذوع الأشجار وجذورها الملقاة على الشواطئ وأماكن القمامة، حيث أحسست فيها الروح وقدرتي على ‘أنسنة الجمادات’ وجعلها طرفا في تفكيرنا وتخيلاتنا وأحاسيسنا. تخيلت أني قادرة بلمسات بسيطة أن أشحن هذه الجذوع والجذور بالتفاؤل والتحدي، وأخلق الجميلات حسب رؤيتي مع التحدي لأجسد قصيدة محمود درويش نحتيا”.

وتضيف “جوهر أعمالي في غابة الجميلات يتجسد في أن هذه الجذوع والجذور من الممكن أن تتحول إلى صور وهيئات لكائنات أخرى، وحين بدأت أتأمل ما جمعته من بقايا الأشجار الميتة أحسست بأن معظمها تحمل جسد الأنثى وكبرياءها وتحديها في غابة الإنسان الذكوري، بل إن القبح فيها من الممكن أن يتحول إلى جمال، لذلك حاولت أن أحول الجماد الخشبي إلى أجساد راقصة أو متعانقة، ووجوه نسائية طوطمية العمق بعضها وإنسانية الجمال في البعض الآخر، وخيوط شعرهن من ألياف الأشجار بطريقة فنية متعبة، ولكنها دقيقة جدا. كنت أمارس لحظتها نفس ممارسة طبيب زراعة الشعر، حيث أجلس أغرز شعرة شعرة في حفر في الرأس ولساعات وأيام بعيدة عن الصمغ لأخلق بويصلات حقيقية لشعورهن”.

الميثولوجيا والفن

مع هذه الرؤية الشعرية الفنية لأعمال “غابة الجميلات” تحضر مع الأعمال الرموز الدينية والأسطورية والشعبية وكأنها تستنطق بعدا آخر للمعنى المتاح للمتلقي، هذا الترميز ينحدر من قراءات فنانتنا الواسعة فهي خريجة قسم الفلسفة وعلم اجتماع. فلا غرابة أن تذهب أسئلة الفن معها إلى أبعد من شكلانية السؤال لتتخذ مظهرا عميقا وهي تبحث عن أجوبتها الشخصية. وهذا ما عبّر عنه الشاعر البحريني أحمد العجمي متحدثا عن “غابة الجميلات”، قائلا “تظهر بعض الجذوع والسيقان أشكالا للإنسان أو للحيوان، بفعل نتوءات والتفافات تحدث نتيجة نمو الشجرة، وكأنما الأشجار تقول إننا مكتنزات بكائنات أخرى تحتاج إلى عين مبصرة وروح مقتحمة. فلو تأملنا هذه الأعمال بعمق لرأينا أجسادا راقصة، او متعانقة، وسمعنا صمتها يأتي من أغوار بعيدة في الميثولوجيا”.

جوهر أعمال "غابة الجميلات" يتجسد في أن هذه الجذوع والجذور من الممكن أن تتحول إلى صور وهيئات لكائنات أخرى

وضمن هذا السياق تقول حافظ لـ”العرب” إن “الرموز الأسطورية الميثولوجية جزء مهم في الفن العضوي، والنحت عموما، وأقول لك سرا إن معرضي الأول ‘أرى الموسيقى‘ كنت أميل إلى تسميته بـ‘الطوطم‘ لأن معظم الأعمال الخشبية الراقصة والمؤلمة تشي بشيء من الرهبة الطوطمية الموجودة في التماثيل الطوطمية المحفورة في عمق الجبال لشعوب كانت تبحث عن سر خالق هذا الوجود. لقد أحسست في غابة الجميلات بأن الجذوع تفجر وتشكل صورا وهيئات لكائنات موجودة وبعضها خرافية ميثولوجية، فجوهر الميثولوجيا خلق أساطير يبتكرها الإنسان من أجل طرد المخاوف الموجودة في الذات الإنسانية التي لم يكن للعلم الراهن وجود آنذاك، ولذلك انتشرت الطواطم ووضعها في منازل مكانية وزمانية، ولما تمثله الغابة من غموض ورهبة بظلماتها ومتاهاتها وأخطارها، لذلك تم استخدام الغابة لخلق الطواطم كدروع مانعة للشر والخطر ومانحة القوة، فنحتوا من خشب الأشجار تماثيل ووجوها وجعلوها حراسا لهم، ولذلك حاولت أن أستعيد من الأسلاف سحرهم وميثولوجياتهم وطواطمهم، ولكن عبر وجوه نسائية ومشاعر إنسانية حداثية أبرز جمال شعورهن التي عند الاسلاف الطوطميين كانت ترمز للسحر وللشر”.

وفي حديثنا معها عن المشهد التشكيلي في البحرين ترى ضيفتنا أن المشهد الراهن نحتا أو تشكيلا هو فرع لنهر من جميع أنواع الفن من شعر ورواية ومسرح وموسيقى… إلى آخره. فروع بعضها جميلة ورائعة ومبهرة وبعضها تقليدية ومتكررة.

تقول ختاما “في البحرين المشهد الفني يتأثر بالواقع الاقتصادي الضاغط على الفنان والمتلقي، وعلى الإنتاج والإبداع والتسويق والترويج وإقامة المعارض الجماعية أو الفردية. وحيث أنني لست ناقدة فنية ولا محللة للأعمال الفنية، إنما بعفويتي ومخيالي أنطلق ولا أتردد في المجازفة ولكن بعد أن تختمر الأفكار وبعدها الأعمال، فأترك قراءة المشهد لمن يراقب من بعيد علينا فهو الأقدر على التشخيص ومن ثم التحليل والنقد”.

15