"بقعة ضوء" لوحات درامية ساخرة يتهددها مقص الرقيب

مسلسل "بقعة ضوء" استطاع أن ينجح ليس فقط بسبب عناصره الفنية، بل لأنه نال سقف حرية كبيرا.
الثلاثاء 2019/05/21
الضحك ليس الهدف الأساسي

مازالت المسلسلات الساخرة التي تقوم على حلقات منفصلة عن بعضها البعض، تستقطب جمهورا هاما، سواء من الباحثين عن التسلية أو عن النقد، حيث تأتي هذه الأعمال غالبا نقدية لاذعة، لذا تتطلب سقفا عاليا من الحرية.

دمشق – عَرفت الدراما السورية لسنوات وخاصة في شهر رمضان أعمالا نقدية ساخرة كان أول من فكر فيها الفنان الشامل ياسر العظمة من خلال عمله “مرايا” الذي استمر لسنوات، وكان دوره فيها لا يقتصر على التمثيل بل كان مشاركا في كتابة تلك الحلقات الساخرة، مما قرأ وشاهد أو سمع.

لاحقا وتحديدا في العام 2011، بدأت سلسلة “بقعة ضوء” بالظهور في ظل الاختفاء التدريجي لياسر العظمة وعمله المميز “مرايا”، وكانت تتكون كل حلقة منها من مجموعة لوحات منفصلة لا تتجاوز مدة اللوحة فيها الدقائق، وتقدم تباعا بنكهة كوميدية ساخرة دون أي رابط في ما بينها.

بدأت “بقعة ضوء” كفكرة نبيلة من قبل الشريكين باسم ياخور وأيمن رضا، النجمين السّوريين اللذين عُرفا بخفة ظلهما وقدرتهما على تقديم الأعمال الكوميدية دون ابتذال، وأخرجها في الموسم الأول اللامع الليث حجو، كانت حينها التجربة فريدة ولكنها مخيفة إلى حد ما بالنسبة إلى معظم من ُطلبت منهم المشاركة فيها من النجوم، وذلك لاعتبارات لا تتعلق فقط بالمضمون وارتفاع سقف جرأته في الطرح، بل أيضا بسبب زمن اللوحة الواحدة الذي قد لا يتجاوز 15 دقيقة، والذي كان يعتبر مخاطرة بالنسبة لأي نجم سوري، ولكن وبعد نجاح الجزء الأول من العمل بات “بقعة ضوء” واحدا من أكثر الأعمال المرغوب فيما من قبل الفنانين أنفسهم، كما أصبح جزءا من طقوس رمضان التي ينتظرها الجمهور السوري وربما العربي في وقت لاحق، وتشهد على ذلك الإعلانات التجارية التي كانت تتدافع لتحجز مكانا لها داخل لوحاته.

 تنوع وتعدد الكتّاب المشاركون في كتابة تلك اللوحات، أمثال مازن طه، ممدوح حماده، رافي وهبي وغيرهم، لم يبق كاتب سوري إلا ورغب في تقديم لوحة على الأقل، كما أخرجه العديد من المخرجين المخضرمين والشباب أمثال هشام شربتجي وناجي طعمه وسامر برقاوي وسيف الشيخ نجيب وعامر فهد بالإضافة طبعا إلى الليث حجو الذي حمل على عاتقه الفكرة منذ البداية.  والحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن مسلسل “بقعة ضوء” ومن قبله سلسلة “مرايا” استطاع أن ينجح ليس فقط بسبب العناصر الفنية التي قامت عليه من كتّاب ومخرجين وممثلين، بل لأن سقف الحرية الذي كان متاحا لتلك الأعمال كان كبيرا.

لكن ورغم نجاح “بقعة ضوء” والسمعة الطيبة التي حصدها على مدار السنوات هجره عرابوه،  فأيمن رضا بات ظهوره باهتا أو عبورا سريعا، بينما انسحب باسم ياخور كليا هذا الموسم، ليشارك في كتابة وتمثيل وحتى الإشراف التام تقريبا على عمل كوميدي ساخر جديد بعنوان “ببساطة” من إنتاج شركة إيمار الشام للإنتاج الفني، وهو عمل يكتفي في كل حلقة منه بتقديم لوحة واحدة لا تتجاوز مدتها العشر دقائق، ولم يشكل “ببساطه” منافسا لـ“بقعة ضوء” على اعتبار أنه عرض قبل فترة وجيزة من شهر رمضان.

هزل ناقد
هزل ناقد

والملاحظ أنه رغم غياب بطلي العمل جزئيا أو كليا عن “بقعة ضوء”، مازال العمل مرتبطا وجدانيا وذهنيا في عقل المشاهد بهما، ويزيد من هذا الارتباط احتفاظ الشركة المنتجة ليس فقط بالعلامة التجارية للعمل والمتمثلة بعنوانه، وإنما أيضا بالشارة الغنائية التي كتبت ولحنت له منذ الجزء الأول، ويأتي “بقعة ضوء” في موسمه الحالي بتوقيع المخرج سيف الشيخ نجيب، وهي ليست المرة الأولى فلقد سبق أن أخرجه لموسمين سابقين، وقام بكتابة لوحاته مجموعة من الكتاب أمثال معن سقباني وأدهم مرشد جمال شقيرو شادي كيوان وموفق مسعود، بينما يقوم ببطولته كل من أندرية سكاف وعبدالمنعم عمايري وأحمد الأحمد ومحمد حداقي ونزار أبوحجر وشكران مرتجي وصفاء رقماني وميسون أبوأسعد وآخرون.

 ويبدو جليا أن العمل الذي يحمله مجموعة من النجوم السوريين الذين عُرفوا بحضورهم الفني وقدراتهم التمثيلية على تجسيد وتقليد ليس فقط بعض الأنماط الإنسانية بل الشخصيات الغريبة بإتقان واحترافية، قد أظهروا حتى الآن إخلاصا وجهدا واهتماما كبيرا في تقديم تلك اللوحات.

لكن المعضلة الأساسية التي تواجه “بقعة ضوء” في موسمه الحالي، والتي قد تؤدي بشكل أو بآخر لوضعه موضع مقارنة مع مواسمه الأخرى، ليس فقط اختلاف المستوى الفني بين لوحة وأخرى، رغم أنه أمر طبيعي في ظل وجود هذا الكم من اللوحات في الموسم الواحد، والذي قد يتجاوز الستين لوحة.

هناك اقتطاع واضح لبعض اللوحات في خواتمها أو مفاصلها الرئيسية، لدرجة أن فكرة اللوحة تضيع أو يسقط مضمونها، ويعود سبب ذلك في الأغلب لمقص رقيب العرض الذي يسمح أو لا يسمح بمرور اللوحة بشكلها الكامل على الشاشات السورية، رغم أنها لوحات نقدية لا تتجاوز سقف الحرية التي اعتدنا مشاهدتها في مواسم سابقة من ‘بقعة ضوء’ وغيره من الأعمال النقدية الساخرة.

 في نهاية الأمر وفي حال استمرت تلك اللوحات بالظهور بذلك الشكل المبتور والمشوه أحيانا، فإن ذلك سيضع صنّاع العمل في موقف محرج، وربما سيكون لاحقا سببا رئيسيا في تهديد مكانة العمل وعزوف الجمهور عنه، وهو أمر يجب أن تلتفت له الرقابة والقائمون عليها سريعا، خاصة في ظل التنافس الشديد والانفتاح الفضائي الكبير.

15