بكاء الأطفال: تلك الرسائل المشفرة

الأطفال أذكياء جدا. وقدرتهم على فهم الرسائل عالية. هدوء الأم يقابله هدوء الطفل. وانفعال الأم يقابله انفعال أقوى وأشد من الطفل.
الخميس 2018/09/06
علوم التربية كلها تقول للأمهات لا تستجبن لابتزاز أطفالكن

لا أتحمل بكاء الأطفال. أشعر أن قلبي يتمزق كلما سمعت طفلا يبكي، فإذا رأيت دموعه نازلة على خديه أصاب بهلع حقيقي. لا ينطبق هذا على أطفالي فقط، لكن على أطفال الآخرين أيضا. عندما أكون في الشارع أو في سوبر ماركت أو في عيادة طبيب ويبكي طفل، أول ما يتبادر إلى ذهني هو الذهاب إليه وملاطفته. وأحيانا كثيرة أبحث عن التقاء أعيننا لأرسل له ولو من بعيد نظرة حالمة مطمئنة.

بكاء الأطفال طبيعي كما نعرف، وهو طريقتهم في التعبير عما يدور بداخلهم. اللغة قاصرة وهم لا يملكون سوى لغة الدموع. يبكي الطفل عندما يجوع، وعندما يرغب في النوم، وعندما يتألم من شيء ما، ويبكي أحيانا لا لشيء بعينه، أو لمجرد لفت الانتباه والحصول على الاهتمام. في كل الأحوال بكاء الأطفال رسائل علينا أن نستلمها منهم ونقرأ ما جاء فيها بتأن وروية. قد نخطئ في قراءتها أحيانا، لكن تجاهلها غير وارد.

رأيت في المطارات والقطارات والشوارع والحدائق العامة أمهات كثيرات ينشغلن بالحديث مع أحدهم أو إحداهن، أو في الهاتف، في حين يملأ صراخ أطفالهن الكون والفضاء. الأولوية للطفل دائما، وكم مرة استأذنت من ضيف أو رئيس يكلمني على الهاتف، لأرد على سؤال من ابني، بينما هو ينتظر أن أنهي كلامي وأعود للحديث معه. كائنا من كان لا أحد فوق وظيفة الأمومة ولا شيء يعلو عليها.

صحيح أنهم علمونا أن نتجاهل إلحاح الأطفال وعنادهم ورغبتهم في لفت الانتباه عبر البكاء، وتركهم ينهون بكاءهم من دون أن يحصلوا على ما يريدون. شخصيا فعلت هذا مرة واحدة في حياتي، ولن أنساها أبدا: مشيت مسافة كيلومترين أو أكثر وأنا أدفع عربة طفلي الباكي بلا توقف مدة نصف ساعة تقريبا.

كان يريد أن أفك رباطه وأنزله من العربة، وكنت أريد أن يسمع كلامي ويتعود على العربة، عاند وعاندت. وصلنا البيت وكلانا في حالة يرثى لها. ربما نسي هو الحادثة الآن، فقد كان عمره سنتين فقط، لكن من الصعب أن أنسى، ولو عاد بي الزمن لرميت بكل القواعد التي لقنوها لنا، ولحملت الطفل بين ذراعي لوهلة أو تركته يمشي بضع خطوات. وربما كنا استرحنا في مكان ما، جلسنا وتحدثنا، وأنهينا العناد بطريقة أفضل.

علوم التربية كلها تقول للأمهات لا تستجبن لابتزاز أطفالكن. لا تفلتن الأمور من أيديكن، فيصبح الطفل سيد الموقف، وهي نصائح مهمة بالتأكيد وفي محلها، فلا أحد يرغب في طفل مدلل، يبكي لأتفه الأسباب ويطالب بإلحاح بكل ما يراه أمامه. طفل مدلل يعني رجلا غير مسؤول في المستقبل. من منا يرغب في رجل كهذا؟

الفكرة: لا مانع من أن يبكي طفل لسبب طبيعي، بكاء يقول من خلاله شيئا ما لمن حوله. هذا النوع من البكاء غير مؤذ في الغالب، ويشبه الرقن على الآلة الكاتبة. مزعج لكنه بهدف. تنتهي الرسالة فيتوقف الرقن.

النصيحة الأفضل للأمهات هي أن يهدأن تماما أمام بكاء أطفالهن، فلا ينفعلن، لا يصرخن، لا يكررن سؤال: ماذا تريد؟ أو ما بك؟ خمسين مرة. فقط يهدأن. يتوقفن عن أي نشاط، وينظرن إلى الطفل في صمت وهدوء بالغين دون أن يفقدن وداعتهن ودفئهن. بعد لحظات يفهم الطفل أنه يتلقى رسالة مضادة من أمه، مفادها: “أنا هنا انتظرك، وعندما تنتهي من البكاء سأسمعك”.

الأطفال أذكياء جدا. وقدرتهم على فهم الرسائل عالية. هدوء الأم يقابله هدوء الطفل. وانفعال الأم يقابله انفعال أقوى وأشد من الطفل.

كثيرا ما تساءلت بيني وبين نفسي: لماذا لا يبكي أطفال الهولنديين مثل أطفالنا؟ أراهم في حدائق الألعاب والمحلات جالسين بهدوء في عرباتهم، مستسلمين، قانعين، والسبب حسب رأيي يكمن في طريقة التخاطب، في الهدوء والبساطة وعدم الانفعال.

21