بكاء على الأطلال

السبت 2014/08/02

على ذمة ما تبقى من سجلات مستشفيات ومراكز صحية في الموصل، فإن أعداد القتلى والجرحى في أعقاب وقوع المدينة العراقية في أسر الجماعات المتطرفة، قد تجاوزت مجتمعة الستة آلاف. وعلى اعتبار أن التقارير الطبية لا تكشف إلا اليسير من الوجه القبيح لعمليات التصفية الهمجية للعصابات المجنونة، فإن هذه الأعداد (الهائلة) تبدو للمراقبين المحايدين مجرد أرقام أولية تقديرية، إذ أن أساليب القتل والتنكيل المتبعة مع الضحايا قد تطيح بفرص وصولهم (كاملين) إلى مشارح الأموات في هذه المراكز، مضافة إليها الصعوبات والعراقيل الجغرافية التي تضعها هذه الجماعات البغيضة في طريق من تسول له نفسه انتشال رفات الضحايا وستر الأجساد المغدورة، ما يعني ضياع (البقايا) أو ما يستدل على هوياتها الإنسانية.

لا تبدو هذه المقدمة (الدموية) بداية موفقة لمن ينشد الجلوس ذات صباح مشمس إلى شرفة منزله المزدحمة بنباتات الظل الثمينة وأزهار الجوري الرقيقة، ليرتشف بضعة من قهوة وكلمات عائمة على لسان منظرين غائبين عن الوعي السياسي، فالنقاشات الفلسفية العقيمة التي تحاول مطاردة الحقائق من دون جدوى، لا شأن لها بالدماء المهدورة ولا بالأرواح المغدورة، والموت هو الحقيقة الوحيدة التي لا يختلف عليها إثنان، في خضم الصراع اللغوي العقيم بين أبناء البلد الواحد، الذي تختلط فيه الاتهامات بالشتائم والمغالطات بالعداوات.

العدو، الذي مهد لقدومه منذ سنوات بسلسلة متصلة من عمليات القتل الجماعية التي وزعها بالتساوي على أبناء المدن المنكوبة، استحلى لعبته السمجة فتطاولت همجيته لتسحق تاريخا كاملا تربع على عرش الحضارات آلافا من السنين، فلم يترك ضريحا لإمام ولا قبراً لنبي ولا بيتاً للرب إلا وسحقه، فقتل التاريخ كما قتل الحاضر ومثّل بشواخص الأجداد العظام، كما مثل بأجساد عمر وسلار وعلي وجورج الطاهرة.

الكل في المحرقة سواسية كأسنان المشط، وكل الحقائق ستسوى بالأرض مثلما هي الآثار العظيمة وإرث الأجداد المستباح، وستقام مزيد من البكائيات على أبواب الفجيعة طالما استطال زمن الغدر، سيتصدى منظرون ومفكرون ومهندسون وفلاسفة لوقف هدر الإرث العام، ولملمة جراح الفنون والعمارة التي أبدعتها أنامل الأجداد العظام وشوهتها أصابع قوى الظلام.

سينتفض جسد الجغرافيا للمطالبة بحماية خرائط الأطلس وتتبع آثار الشريط الحدودي الأسود حتى رافده الغربي، في محاولة ستكون حثيثة لقطع (رأس الحية) من منابعها. وستفرض هيبة القانون – عاجلاً أم آجلاً- على جميع القتلة واللصوص، قانون الوطن الواحد الذي لا يقبل القسمة على نفسه، فالوطن يعني الجميع من دون اسثناء.

وحدهم المهجرون والمقتولون والمغدورون ومكسوري الجناح والخاطر، سيقفون في العراء، فلا شجر يحميهم ولا ظلال. وحدهم، ونحيبهم والجراح، سيقفون في العراء ليذبلوا فتسوى بهم الأرض، فلا تاريخ يذكرهم ولا جغرافيا تقتفي آثارهم ولا قانون يدون فجيعتهم. وحدهم من دفع ويدفع الثمن، فالإنسان البسيط هو أرخص ممتلكات هذا الوطن.

21