بكائية كوثر البشراوي على أطلال الإسلام السياسي

الثلاثاء 2014/12/09

لا أعرف مع من تصطف الإعلامية التونسية المعروفة كوثر البشراوي الآن، فهي ظلت، طوال ما يقرب من ثلاثة عقود، (ملتبسة) في فكرها وولاءاتها. كانت ملء السمع والبصر في صوالين الليبرالية الإعلامية، ثم وجدناها في صوالين الأصولية الإسلامية تصول وتجول وتنظر مع المنظرين لمستقبل الإسلام السياسي. بعد ذلك وجدناها تنفض يدها من الإسلامويين وتتبرأ منهم، بل وتتهم نفسها بالغباء حين صدقتهم وسارت في ركابهم لسنوات أختا وصديقة ومناصرة لتوجهاتهم.

تقول البشراوي في حديث تلفزيوني، تلقفه الناس باعتباره شهادة لواحدة من أهلها، إن علاقاتها بالحركات الإسلامية لا تخطر على بال، وإنها أحبت ذوي الاتجاه الإسلامي واشتغلت معهم، إلى أن استلموا الحكم، في مصر أو تونس، وأصبح لا صديق لهم ولا وفاء لديهم لمن ساعدهم وناصرهم، لأنهم بلا ذاكرة ولا يعترفون بجميل، لا من قريب ولا من بعيد.

تقول، أيضا، إنهم نقضوا تاريخهم إلى درجة أنني أتساءل هل كانوا وهم معارضون يقولون الصدق أم هم الآن، تعني بعد ارتفاع أسهمهم، في لحظة صدق، وأن كل ما سبق منهم، حين كانوا خارج المغانم، هو زيف ونصب واحتيال؟!

ثم تنظمهم في خيط واحد سهل هو خيط (الوهابية)، التي تنفي، من وجهة نظرها، أي تباين بين الحركات الإسلامية في الفكر، سواء أكان خطها معتدلا أو (أردوغانيا) أو نهضويا، نسبة إلى جماعة النهضة التونسية. ولذلك هي تعتبر أنها خُدعت وأنها ناصرت الوهم. أو كما تقول ناصرنا الوهم، حين اكتشفت ذات صباح أنها امرأة لا تعرف الناس ولا تعرف من هم الإسلاميون. وأنها تترضى على أيام زين العابدين بن علي التي كان فيها، رغم مرارات الغربة، أمل في العودة إلى بلادها، بينما الآن ضاع حتى حلم العودة هذا، لأن من يحكمون باسم الله والرسول سُراقٌ ونصابون ومجرمون، مستعدون لقطع رزقك ورقبتك ورجلك من بلدك.

لم يكن ممكنا أن يمر حديث خطير مثل هذا دون أن تتم مناقشته، خاصة وأنه حديث بدأ بشكوى واضحة بأن الإسلامويين الذين استلموا الحكم، بعد الثورات العربية الأخيرة، لم يعطوا، من ناصروهم في أوقات الاضطهاد، اعتبارا ولا مدوا إليهم يد الجميل والوفاء بعد أن تمكنوا من كراسي القرار السياسي.

وهذا يعني أن كوثر وغيرها كانوا ينتظرون جزاء غير جزاء سنمار، نظير ما قدموا من خدمات لهذه الجماعات وأجنداتها بعد أن ارتدوا الأحجبة ودندنوا معهم بما يوافق أهواءهم وأهدافهم. وهو درس قاس جدا لكل من راهن على أن جماعات الإسلام السياسي مخلصة للدين ونصرته، وبعيدة كل البعد عن المغانم الشخصية وهبات السلاطين التي يتنافس عليها المتنافسون.

هذه الجماعات، بعد أن افتضح أمرها في مصر وفي غيرها من البلدان العربية، لا تختلف عن الدكتاتوريات الفاسدة في شيء، سوى أنها، وهذا من شهادة كوثر العلنية، تزيد على هذه الدكتاتوريات بقطع رقبتك وقطع رجلك عن أرض بلدك، حيث تكون، كمعارض يقف على الرصيف المقابل، معرضا للتصفية الجسدية بدم بارد في الشارع وأمام الناس، بل وحتى أمام ناظري زوجتك وأبنائك، كما حدث مع شكري بلعيد، رحمه الله، الذي اغتيل في فبراير من عام 2013 أمام منزله، وقيل إن سبب اغتياله اتهامه لحزب النهضة بالتشريع للاغتيال السياسي بعد ارتفاع اعتداءات رابطات حماية الثورة في ذلك الحين، والتي توصف بأنها الذراع العسكرية للحزب.

ما فعلته جماعة الإخوان المسلمين في مصر إبّان سنة حكمها المشؤومة غير خاف على أحد، فعناصرها أذلت وقتلت عددا من المصريين الذين تظاهروا ضد قرارات محمد مرسي إلى الدرجة التي أصابت المصريين كلهم بالرعب من مستقبل البقاء تحت حكم الإخوان، وعجّلت بإسقاطهم في تفويض شعبي مفتوح للجيش، الذي ظل ممسكا بزمام الأمور رغم كل التداعيات ومحاولات القوى الشيطانية، الإقليمية والدولية، التي كانت تقف في صف جماعة الإخوان وترفض إسقاطهم وما زالت ترفض ذلك حتى الآن.

أما ذروة سنام هذه الجماعات هي جماعة أو دولة “داعش” التي تجاوزت كل التوقعات ومارست- إلى الآن- رعبا هائلا وفرزا وتقتيلا على الهوية الدينية، بل وأعطت أعداء الإسلام ذاته ذرائع لم يكونوا يتخيلونها لتشويهه وتنفير الناس منه، ومن المسلمين بصورة عامة. ووصلت هذه الدولة المزيفة إلى حد تهديد الدول العربية الباقية المستقرة في أمنها وسلامة مجتمعاتها، لكي تكتمل دورة زيف هذه الجماعات وبأنها إنما تمتطي الدين لتصل إلى أطماعها ومآربها الفئوية والحزبية.

النتيجة إذن هي أن جماعات الإسلام السياسي سقطت بأسرع من المتوقع حين خرجت من الأقبية إلى النور وافتضحت أجنداتها، ليس فقط من معارضيها، بل حتى من مريديها، الذين يقفزون الآن من مراكبها طلبا للنجاة من مغبة المحاسبة الوطنية والشعبية، التي تُفتح الآن ملفاتها لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، سواء من جهة تفكيك خطاب هذه الجماعات الخادع طوال العقود الماضية، أو من جهة التمكين السياسي لتيارات التنوير التي يفترض، بعد مرارة التجربة مع الإسلامويين، أن تحلّ محل هذه الجماعات، لكي نتمكن من بناء دول متقدمة تصنع الحياة، بعد أن طال بنا أمد صناعة الموت.

وفي يقيني أن الشعوب العربية ستسابق الأنظمة الوطنية الجديدة، القائمة والقادمة، لقطع دابر هذه الجماعات ومحاسبة من أيدها أو مكن لها طوال السنوات الماضية، من الإعلاميين ومن غيرهم الذين ساهموا مباشرة عن عمد أو غباء، كما يدعون الآن، في التمكين لها شعبيا.

ومن يتباكى الآن على فعله في نصرة هذه الجماعات لن ينفعه هذا التباكي بعد أن دفع الناس هذه الأثمان الباهظة من أرواحهم ودمائهم وحرياتهم، إذ لا يكفي لمن فقدوا أرواحهم ومن فقدوا أحباءهم أن تأتي لتقول سامحني فقد كنت ساذجا لم أفهم إلى ماذا كانت ترمي هذه الجماعات.. هذه سذاجة مركبة.


كاتب سعودي

8