بكين تقترح حلولا صينية لأزمات الشرق الأوسط

رؤية الصين تنسجم مع الرؤية العربية: تعاون دون تدخل، ومقاربات لتسوية القضايا من سد النهضة إلى السلام في المنطقة.
الأربعاء 2018/07/11
السير على طريق الحرير

بكين – انعقد في بكين الثلاثاء منتدى التعاون الصيني العربي في دورته الثامنة التي جاءت استثنائية في الكثير من قراراتها ومخرجاتها. كشفت القمة عن صين أكثر قوة وأكثر ثقة بنفسها وقد تحررت كثيرا من مبادئ كونفوشيوس وسياسة ماو تسي تونغ التي تميل إلى الانغلاق وتجنب التدخلات الخارجية قدر الإمكان.

قدمت الصين من المنتدى العربي الصيني، الذي افتتحه الرئيس الصيني شي جين بينغ، وأمير الكويت صباح الأحمد الجابر الصباح، في قاعة الشعب الكبرى في بكين، نفسها وسيطا في القضية الفلسطينية وطرفا ثالثا في أزمة سد النهضة بين مصر وإثيوبيا، وأعلنت عن فتح خزائنها لتقديم قروض ومساعدات مالية لدول في الشرق الأوسط، كما طرحت حلولا صينية لعدة قضايا مشتعلة في المنطقة.

وبدا واضحا أن التصورات الصينية انتقلت من الإطار الاقتصادي الجامد والمعتاد إلى إطار سياسي يفكر بصوت عال ومعلن لكل القوى الإقليمية والدولية ذات المصالح المتشابكة والمتداخلة في المنطقة، الأمر الذي قد ينقل منطقة الشرق الأوسط من وضع الخضوع للهيمنة الأميركية إلى شرق أوسط جديد لما بعد العصر الأميركي.

طريق آخر

لا تلعب الصين في العادة دورا كبيرا في دبلوماسية الشرق الأوسط أو صراعات المنطقة رغم اعتمادها عليها في الحصول على إمدادات الطاقة لكنها في ظل المتغيرات الدولية، وتصعيد الحرب الأميركية والأوروبية ضدها، بدا واضحا أن عليها أن تسلك طريقا آخر غير القوة الاقتصادية وأن تطرق أبواب السياسة والتدخّل في قضايا خارجية في منطقة تعدّ منطقة نفوذ أميركي، وأيضا أوروبي، وتكمل بها حلقة تمددها في العمق الأفريقي.

وفي السنوات الماضية، عكفت الصين في هدوء شديد على إعادة رسم وهندسة الخارطة السياسية والاقتصادية العالمية المستقرة منذ انتهاء حقبة الحرب الباردة، والتي انفردت فيها الولايات المتحدة بمهمة صياغة شكل العلاقات الدولية بشقيها السياسي والاقتصادي. وأضحى الجيل الجديد من قيادات الحزب الشيوعي الصيني يتفاخر بإبراز قدرة بلاده على القيام بدور القوة العظمى على الصعيد السياسي، والانخراط في المزيد من تسوية الأزمات الإقليمية والقيام بدور الوسيط “النزيه” والحريص على البقاء عند مسافة آمنة.

توسع عسكري خارجي

تبدي بكين رغبة في القيام بأدوار إقليمية قد تخفف عنها الضغوط، وسط حرب اقتصادية تشتعل بينها وبين واشنطن، وانتقادات متزايدة لملف حقوق الإنسان والديمقراطية، وحرية تدفق المعلومات وغيرها.

وتعتزم القيادة الحالية في بكين مواصلة عمليات تحديث وتعزيز القوات العسكرية الصينية، وتأكيد صفة الأدوار العالمية، وهي تملك قواعد قريبة من البحر الأحمر، وجنوب باكستان، وعلى مقربة من الخليج العربي وخليج عدن. وكلها تتطلب تقديم مقاربات سياسية توفر لبكين علاقات متوازنة.

وليس خافيا، أن القواعد البرية الصينية التي تقام حالياً على طول طرق النقل، والموانئ الكثيرة في أنحاء العالم يجري إعادة تأهيلها، لاستقبال حاويات وسفن أكبر وأكثر عددا، وسوف تصبح جاهزة لتستقبل قوات مسلحة صينية.

وخصصت القيادة الصينية 175 مليار دولار لموازنتها الدفاعية للعام 2018، بزيادة 8.1 في المئة مقارنة بالعام الماضي، ما يماثل ثلاثة أضعاف الميزانية العسكرية اليابانية مثلا، وتوجه الزيادة إلى تحديث القوات البرية والبحرية لمواجهة مثيلتها لدى الولايات المتحدة وحلفائها في منطقة شرق وجنوب شرق آسيا، ومرجّح أن تستخدم في نشر المقاتلات الصينية الحديثة وبناء حاملة طائرات نووية.

الصين الجديدة

في أواخر تسعينات القرن العشرين، ومع تفكك الاتحاد السوفييتي وتفجر بركان الرأسمالية، قال الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون إن الصين ستصبح ديمقراطية حين يتذوق مواطنوها طعم سياسة السوق الحر. وكان ذلك طعما استدرج به كلينتون الكونغرس لتمرير قانون العلاقات التجارية الطبيعية الدائمة مع البلدان الأجنبية عام 2000.

واليوم، بعد مرور نحو عشرين عاما، وبينما نصّب الرئيس الصيني شي جين بينغ نفسه رئيسا مدى الحياة، فإن حتى أكثر دعاة الرأسمالية الجديدة تفاؤلا سيقرون بأن الصين أظهرت كيف أن الرأسمالية والسلطوية نموذجان يمكن أن يتوافقا، بل ويكمل أحدهما الآخر.

ويعلق الباحثان إيلي فريدمان وآندي كاو، على ما وصلت إليه الصين اليوم، ضمن دراسة نشرت على موقع جاكوبين، “إن الرأسمالية الصينية مستمرة في صعودها المبهر وبمشروعات طموحة مثل مشروع طريق الحرير، الذي ترفع بكين له شعار حزام واحد… طريق واحد، حيث تنفذ بوتيرة هائلة مبادرة لإنشاء بنية تحتية”.

ويضيف الباحثان أن “الدولة الصينية تستهدف المزيد من النفوذ الاقتصادي والسياسي بالخارج. وبالنظر اليوم إلى كبرى دول العالم، والتي ستصبح عما قريب صاحبة الاقتصاد الأكبر على الكوكب من المؤكد الآن أن رأس المال العالمي سيسير في ركاب الحزب الشيوعي الصيني”، وهذه القوة الاقتصادية، التي تواجه منافسة قوية، تحتاج إلى هندسة سياسة خارجية تقرأ بتمعن خارطة الجغرافيا السياسية التي تؤثر في قوتها الاقتصادية الخارجية ومشروع طريق الحرير المعاصر، وهو خطة طموحة تهدف إلى ربط الصين برا وبحرا بجنوب شرق آسيا ووسط آسيا والشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا.

وبالنظر إلى الخارطة الجغرافية التي تمتد عليها هذه المبادرة نجد أن نجاح المشروع مرتبط إلى حد بعيد بعلاقة الصين بدول المنطقة، لذلك بدأت بكين تولي قضايا الشرق الأوسط اهتماما سياسيا مضاعفا، يتوازى مع اهتمامها الاقتصادي والتنموي.

ويمكن التحوّل الجذري في السياسة الصينية حيال قضايا الشرق الأوسط والدول العربية بكين من تمتين توازنها الاقتصادي والتجاري. وتُلخَّص الخطوات السياسية الجديدة لبكين ومحاولاتها وضع موطئ قدم في المنطقة يضمن لها ضمان البقاء كقوة ثابتة إقليميا ودوليا بكونها توظف بشكل جيّد الرياح الدولية المتشابكة وصدامات القوى الكبرى كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا.

وكان لافتا تأكيد الرئيس الصيني، خلال منتدى التعاون الصيني العربي كما المسؤولين في أكثر من مناسبة، بخصوص دور صيني لدعم فلسطين وحل الصراع الفلسطيني/العربي الإسرائيلي، في موقف بدا واضحا أن بكين تستثمر من خلالها أزمة الوساطة الأميركية وتعرض أن تكون وسيطا جديدا لسلام في الشرق الأوسط وكسر احتكار الولايات المتحدة لهذا الملف بعد تراجع الثقة بها كوسيط محايد.

وسبق حديث الرئيس الصيني، تصريحات أدلى بها وزير خارجيته وانغ يي، الأحد، عقب لقاء الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبوالغيط في إطار زيارة الأول إلى الصين للمشاركة في أعمال الدورة الثامنة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي الصيني، شدد فيه على مساندة بلاده القوية للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

وقبل ذلك، قال كونغ شياو شينغ، المبعوث الصيني للشرق الأوسط، في 31 مايو الماضي، إثر جولة بالمنطقة، اختتمها في القاهرة، إن “مصر وإسرائيل طلبتا من بكين أن تلعب دورا كبيرا في عملية السلام”.

ويعلق على هذا التصريح الباحث في الشأن الآسيوي، أحمد قنديل، بقوله “ربما يكون هذا الطلب جاء مغلفا بطابع دبلوماسي معروف ولا يعني بالضرورة وجود رغبة كبيرة أو قدرة فائقة لتحقيق اختراق، لكن حتى ذلك يشي أن لدى بكين استعدادا للتقدم بضع خطوات على هذا الصعيد، مستفيدة من العثرات التي تواجه المبادرات الأميركية، سواء حول القضية الفلسطينية أو غيرها من القضايا الإقليمية”.

ويضيف قنديل أن “بعض الدوائر العربية ترى أن بكين أمامها فرصة جيدة لمزيد من التحركات السياسية في المنطقة، لأن رؤيتها تنسجم مع الرؤية العربية بشأن تبني مبدأ التسوية بالطرق السياسية لأزمات الشرق الأوسط، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول”.

بات مؤكّدا وفق جل المراقبين أن الصين ترغب بتحقيق أهداف محورية سياسيا واقتصاديا في منطقة الشرق الأوسط في ظل اشتعال المنطقة بالأزمات والاضطرابات من جهة وفشل السياسة الأميركية في حل القضايا الملتهبة والاضطرابات من جهة ثانية، هذا إلى جانب عوامل أخرى كانخفاض أسعار النفط وتباطؤ الاقتصاد العالمي.

وتعتبر الصين دولا عربية عدة، بينها مصر، من الشركاء المهمين لتحقيق المصالح المشتركة التي يتضمنها الحلم الصيني ومبادرة حزام واحد وطريق واحد، بعد اختيار القاهرة لتولى رئاسة الاتحاد الأفريقي خلال عام 2019. وربطت دوائر سياسية مصرية بين الزيارة التي قام بها للقاهرة تشن مينار، عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في يونيو الماضي، قادما من أديس أبابا، وبين رغبة بكين في القيام بدور فاعل في بعض الأزمات الإقليمية، في وقت تبحث فيه مصر عن صيغة تفاهم ثابتة مع إثيوبيا، تحفظ لها حقوقها المائية عقب الانتهاء من بناء سد النهضة.

وتؤكد اللقاءات المستمرة بين بكين ودول عربية عديدة، أن هناك مساحة مشتركة يمكن البناء عليها لمعالجة بعض القضايا الإقليمية، وأن الصين تضع نصب عينيها أنها ستنتقل من مرتبة ثاني أكبر قوة اقتصادية لتصبح القوة رقم واحد قريبا، وتسعى إلى تهيئة نفسها لهذا التطور، وهي مدعومة بأرضية صلبة تقف عليها، متمثلة في بنيان اقتصادي متماسك، ونفوذ سياسي يزداد يوما بعد يوم وعلاقات خارجية متينة مع قوى إقليمية مؤثرة وقواعد عسكرية منتشرة في مختلف أنحاء العالم.

الدول العربية رقم صحيح في حسابات الانفتاح الصيني

بكين – يؤسس البيان الختامي للمنتدى العربي الصيني لمرحلة جديدة من التعاون بين الصين ودول المنطقة، وكلتاهما تسعى إلى مجاراة المتغيرات الإقليمية والبحث عن توسيع رقعة التحالفات وتنويعها. وكان الحضور الصيني لافتا في هذه المنطقة التي تشكل العمود الفقري لمشروع “طريق الحرير” الصيني ذي الأبعاد الاقتصادية والسياسية الهامة بالنسبة إلى بكين.

وحسب تصريحات لمسؤولين في بكين، مثّل خطاب الرئيس شي في افتتاح المنتدى “قوة دافعة جديدة في العلاقات بين الصين والدول العربية، يحسّن إمكانيات التعاون بين الجانبين، ويجلب آمالا جديدة للسلام الإقليمي”.

ولقيت المبادرات الصينية تجاوبا عربيا، حيث أكد وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، في كلمته خلال مشاركته في منتدى التعاون العربي الصيني في بكين، أن "الصين شريك سياسي وأمني واقتصادي". وأشار إلى أن "مواقف الصين والعرب متطابقة فيما يتعلق بالأزمات والتحديات"، ذاكرا أن “الجانبين العربي والصيني يطمحان لتعزيز وتكثيف التعاون في كافة المجالات”. وقال وزير الخارجية المصري، سامح شكري، إن بلاده على استعداد للتعاون مع المبادرة الصينية بشأن بناء الحزام والطريق.

قمة

وأوضح شكري، أن “مصر وسائر الدول العربية، على استعداد للتعاون والتفاعل الإيجابي مع المبادرة الصينية بشأن بناء الحزام والطريق، كونها الركيزة الأساسية التي تقوم عليها أعمال الدورة الحالية للمنتدى”.

وشدّد الوزير المصري على أهمية مواصلة التشاور بين الدول العربية والصين حول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، في ضوء التحديات الجسيمة التي تشهدها الساحتان الإقليمية والدولية. وتحدث بنفس الروح الإيجابية وزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني أيمن الصفدي مشيرا إلى أن التعاون العربي الصيني سيثمر إنجازات اقتصادية وتجارية وثقافية ستنعكس إيجاباً على الأمتين.

واعتبر الصفدي، أن ذلك سيسهم في إنهاء الصراعات وتجاوز الأزمات وتحقيق التنمية والازدهار وبناء الأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين. وشدّد الصفدي، على تطلع بلاده إلى تعاون أكبر مع الصين في الجهود المستهدفة لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وأضاف أن “تأييد الصين لحل الدولتين، دعم للسلام الشامل، الذي يشكل قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية على خطوط الرابع من يونيو 1967، شرطه”. وعلى صعيد الأزمة السورية، لفت الصفدي، إلى أن “المملكة تتطلع أيضا إلى العمل مع الصين في إطار الجهود العربية والدولية للتوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية التي سببت قتلا وخرابا ومعاناة يجب أن يتوقفوا”

6