بكين تلتفّ إستراتيجيا على دور واشنطن في الشرق الأوسط

انخراط دول المنطقة في مبادرة طريق الحرير الصيني يشكل وحده جرس إنذار للولايات المتحدة.
السبت 2021/02/27
ود يخفي وراءه صراعا على النفوذ

لا يهدد نفوذ الصين المتزايد في الشرق الأوسط بطريقة مباشرة أيّ مصالح حيوية للولايات المتحدة. ومع ذلك يعدّ تعميق تحالف بكين مع طهران الداعمة للميليشيات الشيعية المعادية لواشنطن أمرا مقلقا ويشكل مخاطر طويلة الأجل على القوات الأميركية والشراكات والوصول التجاري. وبالتالي فإن إدارة جو بايدن ليس أمامها سوى التعامل بطريقة خشنة لقطع الطريق أمام أيّ محاولات صينية للالتفاف على الدور الأميركي في المنطقة.

واشنطن - حاولت الولايات المتحدة على مدى 12 عاما فك ارتباطها بالشرق الأوسط، وقد استجابت القوى الإقليمية بما في ذلك إيران وإسرائيل وروسيا والسعودية وتركيا بالبحث عن حلفاء جدد والتنافس بشكل أكثر شراسة مع بعضها البعض، ولكن الصين كانت الفائز الأكبر في المنطقة بعد واشنطن.

وكانت بكين بالفعل أكبر مشتر لنفط المنطقة. والآن أصبحت القوة الخارجية الوحيدة التي لها علاقات سياسية وتجارية قوية مع كل الدول الرئيسية هناك. وبالنسبة إلى واشنطن يعني هذا أن الشرق الأوسط يعاود الظهور كساحة للمنافسة بين القوى العظمى.

ويرى إيك فرايمان أستاذ في كلية باليول بجامعة أكسفورد في تحليل نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأميركية أن أسلوب الصين في المنطقة يتماشى مع سمة عامة في المنطقة مفادها أن للولايات المتحدة مصالح في الشرق الأوسط اليوم أقل ممّا كانت عليه قبل عقد أو عقدين.

إستراتيجية خشنة

العلاقات الوثيقة بين بكين وإيران التي تبث أذرعها في الشرق الأوسط يحكمها منطق المصالح المتفاوتة رغم أنها لا تشكل معضلة للولايات المتحدة، لكن فرايمان يعتقد أن على إدارة بايدن فرض مقابل على البلدين لمنع شراكتهما الإستراتيجية الناشئة من النمو دون رادع.

ويشير فرايمان مؤلف كتاب “حزام واحد طريق واحد: القوة الصينية تواجه العالم” إلى أن الإدارة الأميركية عليها أن تدرك أن معظم حلفائها وشركائها في الشرق الأوسط بما في ذلك إسرائيل ودول الخليج مصممون على عدم الانحياز إلى أي طرف في التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين.

وبدأت الصين بحثها عن نهج إستراتيجي جديد للتواصل مع الشرق الأوسط بعد فترة وجيزة من إعلان إدارة باراك أوباما عن “محور الارتكاز الآسيوي” في 2011.

في العام التالي اقترح مدير معهد الدراسات الأميركية بأكاديمية الصين للعلوم الاجتماعية وانغ جيسي، الذي يعد المعلق الصيني الأبرز في السياسة الخارجية، مفهوم “المسيرة نحو الغرب”. وكتب يقول “بينما تعيد واشنطن التوازن إلى آسيا أصبحت العلاقة بين الولايات المتحدة والصين صفرية ومثيرة للجدل”.

إيك فرايمان: بكين استغلت تراجع مصالح واشنطن عمّا كانت عليه قبل عقدين

ومع احتدام المنافسة توقع وانغ أن تصبح منطقتا آسيا الوسطى والشرق الأوسط منفتحتين على التعامل مع الصين. وقال إن “الانسحاب الأميركي الحتمي من الشرق الأوسط يمثل فوزا محتملا” لأن الولايات المتحدة كانت “في أمسّ الحاجة إلى مساعدة الصين في تحقيق الاستقرار في أفغانستان وباكستان”.

ونُشر مقال وانغ قبل المؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني مباشرة عندما كان من المقرر ترقية شي جين بينغ إلى أعلى منصب، وكان ينذر بالمنطق الإستراتيجي والشعارات ومفاهيم التمويل التي سيتم إضفاء الطابع المؤسسي عليها قريبا ضمن مبادرة الحزام والطريق.

ومع ذلك كانت ردود الفعل على تركيز وانغ الصريح على الشرق الأوسط قاسية وفورية. ففي مقال ردِِّ عليه جادل الباحث شيان شياو بأن بكين يجب أن تعطي الأولوية لجيرانها أولا وتجنب نشر مواردها. وبعد المديح الشخصي لوانغ انتقل شياو إلى النقد.

وتساءل شياو قائلا “ما الذي يشير إليه مصطلح الغرب؟ من منظور البعد، أولا دول الجوار على غربنا، تليها دول الشرق الأوسط البعيدة إلى حد ما، ثم الدول الأفريقية البعيدة”. واعتبر أن وانغ كان يشجع الصين على التوسع بشكل مفرط مثلما فعلت الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق.

وجادل نقد آخر لاقتراح وانغ بأن “المسيرة نحو الغرب” ستثير استعداء القوى العظمى الأخرى. وجادل الباحث جيي تشانغ الذي كتب في غلوبال تايمز في 2013 بأن الإستراتيجية ستضر بالعلاقات مع روسيا والهند والولايات المتحدة وستقود الصين إلى الاستثمار في “المجالات الخطيرة”.

كما شدد على أنه لا ينبغي للصين أن “تتخذ خطوة كبيرة، بل يجب أن تحكم على المخاطر الإستراتيجية وتضع خطة إستراتيجية لفهم سيرها نحو الغرب بشكل كامل”.

ويقول فرايمان إنه باختصار كان العديد من مفكري السياسة الخارجية الصينيين قلقين بشأن المخاطر التي قد تأتي بنتائج عكسية لمشروع صيني رفيع المستوى كمبادرة الحزام والطريق في الشرق الأوسط.

منطق المنفعة السياسية

رأى الخبراء الإستراتيجيون الصينيون منطق الاستفادة من قوة البلاد الاقتصادية من أجل المنفعة السياسية، لكنهم كانوا يخشون الوقوع في شبكة متداخلة من الخصومات القومية والطائفية في المنطقة.

ويشير التاريخ إلى أن تجنب مثل هذه النتيجة ليس بالمهمة السهلة. فقد كان الشرق الأوسط بؤرة للعديد من القوات الخارجية على مر القرون بما في ذلك الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا وفرنسا.

وتفسر هذه الاعتبارات سبب تعامل الصين مع مبادرة الحزام والطريق بشكل مختلف في الشرق الأوسط عن أي منطقة أخرى. ففي أفريقيا وآسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا وأميركا الجنوبية عادة ما تروج الصين لعقد صفقاتها من خلال الضجة الإعلامية والتقاط الصور على السجادات الحمراء. بينما يختلف الأمر في الشرق الأوسط، حيث تحاول بكين إبقاء صفقاتها بعيدة عن العناوين الرئيسية قدر الإمكان.

ولم يُكتب سوى القليل عن كيفية استثمار صندوق الثروة السيادية في أبوظبي في سنس تايم، وهي شركة الذكاء الاصطناعي الصينية الشهيرة ببرنامج التعرف على الوجه.

ولم تصدر معظم اتفاقيات الحزام والطريق بين الصين ودول المنطقة بالكامل باللغة الإنجليزية أو الصينية أو العربية، في حين تبقى الشراكة الإستراتيجية الشاملة بين الصين وإيران والتي تبلغ قيمتها 400 مليار دولار معروفة للجمهور فقط بسبب التسريبات.

ويعتقد فرايمان أنه إذا كان هدف الصين يكمن في تحقيق نفوذ دون التورط في الشرق الأوسط، فإن مبادرة الحزام والطريق ناجحة. وتشمل قائمة الدول التي أيدت المبادرة والتزمت بالشراكة معها مصر والسعودية والإمارات والعراق وإيران وقطر وتركيا والإمارات.

وهنا يقول فرايمان إنه “يجب أن يكون هذا وحده جرس إنذار لواشنطن، إذ لا تتفق هذه الدول على أي شيء تقريبا، لكنها تريد علاقات أوثق مع الصين”.

الخطر يكمن في إيران

الشراكة الإستراتيجية بين الصين وإيران
الشراكة الإستراتيجية بين الصين وإيران

تعتبر الشراكة الإستراتيجية بين الصين وإيران من أكبر المشاكل التي تواجه المصالح الأميركية. وتنقسم السياسة الداخلية الإيرانية بين تيار إصلاحي وآخر متشدد وكلاهما مؤيد للصين.

وساعدت سياسة “الضغط الأقصى” التي اعتمدتها إدارة دونالد ترامب في التعامل مع إيران على تمكين المتشددين، فقد كانت العلاقات الصينية – الإيرانية ودية منذ عقود، لكنها تحسنت بسرعة خلال فترة الرئيس الأميركي السابق.

وسجّلت الصين مشتريات كبيرة من النفط الخام الإيراني وباعت إمدادات الاتصالات للبلاد في انتهاك للعقوبات، وتتفاوض اليوم على اتفاقية لميناء بندر جاسك الذي لا يطل على مضيق هرمز.

وكان من المفترض أن ينظّم البلدان تدريبات بحرية مشتركة في المحيط الهندي الأسبوع الماضي، لكن بكين انسحبت في اللحظة الأخيرة بحجّة عطلة رأس السنة الجديدة. ويحث توقع الدعم الصيني طهران على التمسك بصفقة أكثر صعوبة في المفاوضات النووية مع إدارة بايدن.

وتنجذب الجماعات الشيعية في جميع أنحاء المنطقة إلى الصين لأسباب مماثلة، فهي ترى فيها ثقلا إستراتيجيا موازنا للولايات المتحدة. وفي العراق كتب وزير الكهرباء في أكتوبر 2019 أن “الصين هي خيارنا الأساسي كشريك إستراتيجي على المدى الطويل”.

وأشادت الجماعات الشيعية شبه العسكرية من العراق وسوريا (عصائب أهل الحق) إلى لبنان (حزب الله) بالصين وطالبت بالاستثمارات الصينية باعتبارها ضربة للولايات المتحدة.

لكن هذا لم يثر أي رد فعل مناهض للصين في الدول السنية الرئيسية في المنطقة، حيث أطلقت السعودية برنامجا لتدريس اللغة الصينية كلغة ثالثة في جميع المدارس والجامعات. وقد استعانت إلى جانب الإمارات والكويت بشركة هواوي لبناء بنية تحتية جديدة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات تعمل على تقنيات الجيل الخامس في تحدّ للضغوط الأميركية.

كما كانت الإمارات أول دولة أجنبية تمنح موافقة طارئة للقاح الصيني سينوفارم. وقد نشر نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم صورته في حسابه على موقع تويتر وهو يتلقى التطعيم.

ثمن دبلوماسي ضئيل

لم تدفع الصين سوى ثمن دبلوماسي ضئيل في الشرق الأوسط لانتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان ضد الأقليات المسلمة فيها. ففي 2019 أشاد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان برحلته إلى بكين.

ووقع البلدان حينها العديد من الصفقات التجارية الكبرى، وأشاد الأمير محمد بن سلمان بسياسات الصين المحلية لمكافحة الإرهاب، وهو تأييد ضمني لحملة القمع ضد الأيغور.

وقبل بضع سنوات كانت تركيا مدافعا بارزا عن الأيغور. لكن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التزم الصمت بشأن هذه القضية خلال العام الماضي. وقيل إن الشرطة التركية اعتقلت المئات من اللاجئين الأيغور بأمر من الصين. ومع تراجع الاقتصاد التركي يعتمد أردوغان على الاستثمار والتجارة الصينيَين أكثر من أي وقت مضى.

كما تقاوم إسرائيل الضغط الأميركي المسلط عليها لدفعها إلى الحد من معاملاتها التجارية مع الصين. وتتمتع شركة صينية مملوكة للدولة بعقد إيجار تشغيلي لمدة 25 سنة في ميناء حيفا. وفي وقت سابق هذا الشهر رفضت الحكومة الإسرائيلية طلبا أميركيا لتفقّد المنشأة.

كما تستثمر الصين مئات الملايين من الدولارات سنويا في قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي رغم حملة إدارة ترامب التي استمرت لأشهر بهدف إقناع إسرائيل بالانسحاب.

تغلغل صيني ناعم

تؤثر أنشطة الصين بشكل غير مباشر على مصالح متعددة بطرق تستحق الدراسة والاستجابة لها بحسب فرايمان الذي يعتبر أن أهمّها محاولة إيران امتلاك أسلحة نووية.

ويعتقد أنه من أجل ضمان الأمن القومي الأميركي وبقاء حلفاء الولايات المتحدة، يجب إعادة إيران إلى الامتثال لخطة العمل الشاملة المشتركة أو اتفاقية نووية جديدة قابلة للتنفيذ.

وبقدر ما تمنح شراكة الاستثمار الصينية الناشئة مع إيران للنظام نفوذا في هذه المفاوضات، وبقدر ما تكسب مشتريات الصين من النفط الإيراني الوقت في سباق التخصيب النووي، يجب على الولايات المتحدة أن تقاوم. ويمكن أن تشمل مقاومتها اعتراض السفن التي تحمل شحنات غير مشروعة وفرض عقوبات ثانوية.

وللولايات المتحدة مصلحة بالغة الأهمية في منع الصين من إنشاء كتلة جيوسياسية استبدادية أو أن تصبح مُصدِّرة للتكنلوجيات الاستبدادية. فليس لدى واشنطن سوى القليل من الطرق “النظيفة” لمنع الانفراج التدريجي بين بكين وموسكو وطهران.

العديد من مفكري السياسة الخارجية الصينيين قلقين بشأن المخاطر التي قد تأتي بنتائج عكسية لمشروع صيني رفيع المستوى كمبادرة الحزام والطريق في الشرق الأوسط

لكن يمكنها بالتأكيد فرض تكاليف على الدول التي تحصل على أسلحة أو آليات مراقبة من الصين، تماما كما فرضت عقوبات على تركيا لشرائها أنظمة أس – 400 الروسية.

وتتمتع الولايات المتحدة بمصلحة بالغة الأهمية في منع الصين من دعم حزب الله والفصائل الشيعية المعادية في العراق التي تهدد حلفاء الولايات المتحدة وأصولها في المنطقة.

ولم تطلق الصين العنان لسيل الاستثمار في لبنان الذي طلبه حزب الله الصيف الماضي. لكن يتوجب على الولايات المتحدة أن تواصل إبلاغ بكين بأنها ستواجه عواقب إذا دعمت حزب الله.

وفي الحالات الجيوسياسية الحساسة مثل لبنان قد تحتاج واشنطن إلى الاعتماد على صندوق النقد الدولي. وتدرك بكين أنها تسير على خيط رفيع في محاولة لكسب النفوذ مع الابتعاد عن الصدامات الوطنية المعقدة والصراعات الطائفية في المنطقة.

ويعمل الوضع الراهن في الشرق الأوسط أساسا لصالح الصين. فبينما تنفق الولايات المتحدة مبالغ طائلة لمحاربة الجماعات المتطرفة وحماية حرية الملاحة في المنطقة، تستفيد الصين من استقرار أسعار النفط. وتريد بكين الحفاظ على هذا الوضع مع اكتساب القدرة على الضغط على الدول لتلبية مصالحها.

ورغم غياب أي تهديد مباشر للمصالح الأميركية في المنطقة، إلا أن قدرة الصين على جذب شركاء في الشرق الأوسط تعدّ أمرا يستوجب مزيدا من التدقيق. وعلى المدى الطويل لا ينبغي على الولايات المتحدة أن تكون راضية عن ضمان نظام الأمن الإقليمي إذا كانت بكين المستفيد الرئيسي منه.

6