بلاجيا

السبت 2016/02/06

لا أفهم جيدا كيف غامر كاتب بحجم ميشيل هولبيك بمساره، حينما جعل نفسه موضوع تهمة كان في غنى عنها. فهو أولا قد منح لروايته “الخارطة والأرض”، الحائزة على جائزة الغونكور سنة 2010، عنوانا يعود لكتاب آخر لكاتب مغمور اسمه ميشيل لوفي. وكان الكتاب قد صدر، على نفقة صاحبه، في نسخ محدودة سنة 1999، ويمكن الوصول إلى معلوماتـه الببليوغرافية عبر قاعدة معطيات المكتبة الوطنية الفـرنسية. ميشيـل هولبيـك وظـف، ثانيا، مقالات من موقع ويكيبيديـا في روايته نفسها من دون الإشـارة إلى مصـدره، معتبرا ذلك جزءا من طـرق الكتابـة الأدبية.

الجزائري حفناوي بعلي ذهب إلى أبعد من ذلك، حيث اضطرت هيئة جائزة الشيخ زايد للكتاب إلى سحب الجائزة منه، بعد أن فضح الكاتب المصري عبدالله السمطي سرقاته التي شغلت حوالي نصف كتابه المتوّج. وإذا كان حفناوي قد فضل أن يغيب عن الأنظار بعد فضحه حتى لا يجد نفسه مجبرا على إرجاع قيمـة الجائـزة التي تعادل ربع مليون دولار، فـإن شاعرا آخر، أفضّل عدم ذكر اسمـه وفـاء لصداقـة سابقة، اختار طريقة مغايـرة، حينما نشرت لجنة إحدى الجوائـز الأدبية الجزائـرية، قبـل سنـوات، بيانـا تتهمه فيه بالتـرشح، خلال دورتين، بقصيدتين مسروقتين.

الأولى لكاتب هذه السطـور والثـانية للشاعـر المغـربي طه عـدنان، حيـث نشر بيانا مضادا يعلن فيه عرض كليته للبيع احتجاجا على ما تعرض له وعلى وضعيته الاجتماعية. لـم يتأخر الرد، حيث بادر جلال الطالباني، أثناء مرحلة رئاسته للعراق، بتسليمه شيكا، عن طريق سفير العراق بالجزائر، بقيمة 35 ألف دولار في إطار “دعم أواصر المحبة بين شعبي البلدين”، كما جاء في تصريح إعلامي للشاعر.

الحالات كثيرة، مع تفاوتات في الحدود وفي الطريقة، وهي لا تهم فقط الأدب، وإنما مختلف مجالات الإبداع والبحث، فلا حدود للصوص الأفكار. لكن ما يجمع هذه الحالات هو كون أصحابها يبدون أشبه بانتحاريين بامتياز. فالتهمة تظل لصيقة بهم حتى لو كتبوا أجمل الأشياء.

بالطبع، لا يخلو بلد ولا تخلو فترة زمنية من حالات مشابهة، بشكل تبدو معه السرقة ظاهرة مشتركة، تماما كما بقية الجرائم الصغيرة والكبيرة. غير أن حدة الظاهرة تظل رهينة حضور الأخلاقيات والقيم التي يفترض أن تطبع مشهدا ثقافيا. وأجد أن ثمة خصوصية مذهلة تطبع تاريخ الكتابة في العالم العربي؛ أقصد قيم الوفاء التي كانت تربط بين المؤلفين.

ولعل خير دليل على ذلك هو حرص أغلبهم، خلال قرون، على كتابة فهارسهم، حيث يثبت العالم لائحة شيوخه الذين قرأ عليهم العلوم ومروياته عنهم وأسانيده. وكانت تلك طريقة المؤلفين في الوفاء لمصادرهم، وهي طريقة تمنح صورة دالة على مسار انتقال المعرفة وتراكمها عبر تاريخ طويل من التأليف، يحمل كثيرا من العلامات المشرقة.

كاتب من المغرب

17