بلادي مؤجلة الآن

السبت 2015/08/15

هذا هو العراق الذي تمّ إنتاجُهُ بمطبخ الغزاة الأميركان والإنكليز التخادمي أولاً، وتالياً إيران بوصف أنَّ قِدر المرق لا يقف إلاّ على ثلاث. بلادٌ منقسمة بقوة وغير قابلة للثورة والتثوير، فمنذ أن حطّت فيها بساطيل الوحوش والحرامية والحثالة، لم تخرج بساحاتها وشوارعها ومدائنها الباقيات على ذمة الخريطة، مظاهرة مليونية واحدة كانت ستقع في أي وطن لم يذق مثقال ذرة مما ذاقته الناس ببلاد ما بين القهرين العظيمين.

خسارات مذهلة تشيب لها الولدان الأغضاض، ببيبان الأرض والعرض والمال والكرامة، وعدد سكان عبَر حاجز الثلاثين مليونا. وبعد أن يفور الدم ويصعد صوب الرأس، يتظاهر بساحة التحرير قلب بغداد الثائر، ألفُ واحدٍ من بينهم خمس نساء، ثم ترتفع درجة حرارة الشعور بالمهانة والإذلال، فتخرج مظاهرة عظمى بنفس المكان تعداد ناسها يرقص بين خمسة وعشرة آلاف نفرٍ، قد لا تجد من بينهم عشر نساء. منظر يوحي بأنّ أثاث نصب الحرية الذي يراقب الغاضبين، قد تململ بفعل زعلٍ غير مرئيّ مصدره صانع التمثال الثوريّ المدهش الذي يكاد ينطق جواد سليم.

يعيش ببغداد المريضة العليلة وضواحيها القريبة اللصيقة، أزيد من ستة ملايين نسمة وحيث يهينها الحرامية أبناء مواخير الغزاة، فإنها تغضب وتحتج وتخرج بمظاهرة من عشرة آلاف نفر كحدِّ فرحٍ وأمل أقصى، ويعيش بغزة الفقيرة المحاصرة ربع عدد أهل بغداد، لكنّ غزة تخرج محتفلةً بباب نصرٍ ثمنه دمٌ ودمعٌ بنصف مليون متظاهر غاضب شديد قويّ.

لقد تمّ تمويت العراق بقوة التضاد الطائفي والقوميّ، وأيضاً بتصنيع حشدِ كائنات جلستْ على كرسي الحكم، من خصالها أنها لا تستحي ولا تشعر بالعار ولا تخاف الله حتى لو كان رأسها مسوّراً بعمامةٍ قماش يكفي لصناعة مئة دشداشة طفل، ولحيةٍ ينام تحت كل شعرة من شعراتها الممليرة، كومُ أبالسة وشياطين.

وإذ تحسّ كائنات الحكم الشريرة بعطر ثورةٍ كبرى يشيلها جناحا العراق، فإنها تذهب إلى لعبتها المكرورة، بتفجير شاحنة جبانةٍ تقتل مئة شيعيّ هنا، ومثلها لقتل مئة سنّي هناك، ليعود الناس إلى قنطتهم المخزية، وليفكّروا من جديد بشيعستان وسنستان بعد أن خرجت كردستان تماماً من المشهد، كما أفتى الثور الشاذّ المنتهية صلاحيته رايموند أوديرنو.

24