بلاغة الزهايمر

الأربعاء 2017/06/14

في إحدى جولات الملكة إليزابيث الثانية، غير بعيد عن قصر باكنغهام بلندن، توقفت للحظات أمام مكتبة، وكأنما تذكرت شيئا أساسيا، دلفت إلى الداخل وتجولت على مهل أمام أعمدة الكتب، ثم استدارت لتطلب من صاحب المحل، المذهول أمام الزائرة غير العادية، أن يبحث لها عن رواية لـ”أفي كونتون برونيت”، وهو روائي ازدهرت كتاباته في ثلاثينات القرن الماضي، كانت قد سمعت عنها خلال شبابها البعيد، وبعد أن أحضرها قلبت صفحاتها على مهل، وشيئا فشيئا شرعت في القراءة، ناسية من يقف بالباب في انتظارها لمراسيم رسمية. يحكي الناقد الفرنسي شارل دانتزيغ، بالكثير من التفصيل، مجريات هذه الواقعة في سياق الحديث عن “الرواية وذوبان المحيط”، لكنه اختار أن يتجاوز النسيان العضوي، لينخرط في تحليل الرغبة المضمرة في لاوعي قارئ الرواية، تلك التي تدفعه إلى جعل نصوصه الأثيرة والأخرى التي يتوقع فتنتها، وسيلة سحرية للتجرد من شخصيته الزمنية، وتقمص ذات غير حسية مختصرة في العين والخيال، تماما مثل الوضع الذي انتقل بإليزابيث الثانية من ملكة إلى شخصية عابرة تنسى نفسها في مكتبة.

هي حالة لا تنفصل عموما عن رهان الروايات بشتى تنويعاتها على دفع القارئ إلى حالات زهايمر قصدي ومفتعل، يستعيد فيه أشياء قديمة، منقضية تنتمي إلى أسماء وفضاء وحوارات ومشاهد لم يعد لها وجود، إلا في خلايا الذهن المطموسة، وينفصل عن الملموس الحي والقريب، لهذا عادة ما ينحو التحليل النقدي إلى اعتماد صفة المجاورة بين أوضاع مختفية ومغبشة ومملوءة بالخيالات، وبين ما يعيشه الروائي.

ففي النهاية لا يمكن أن نكتب إلا عما بات منمحيا وأثرا وإن بهرتنا التماعات نظائره. في رواية الطاهر بن جلون “عن أمي” يشرح القصد الروائي بمهارة، حين يترك علة الزهايمر تتحدث وتنسج الجدل الغرائبي بين النهاية والأصول وبين المحسوس المسترسل والومضات المنبعثة كنيازك في الذاكرة؛ يبدأ الحكي بجملة تقول كل شيء: “منذ أن أصابها المرض، تحولت أمي إلى شيء صغير بذاكرة مضيئة”.

قد يكابد قارئ الرواية الصفحات الطوال بمخاتلة ظاهرة، أحيانا بالتقطيع وأحيانا أخرى بالمناوبة بين الأعمال أو بتسريع القراءة والقفز على الصفحات، لكن رواية واحدة لا يتنازل عن ملاحقة صفحاتها وفصولها تباعا، تلك التي تكون جنب الوسادة، تمهد قراءتها السبيل للتخلص من الوعي، وتسبق الانفصال عن العالم والغوص تدريجيا في السديم، هي رواية قد لا تكون لها علاقة بعوالم الروايات العظيمة والعميقة والإشكالية، ولا بجديد الروائيين المعاصرين واختيارات لجان الجوائز، قد تكون رواية صدرت قبل سنوات وركنت على الرف، لكنها تكفل بمهارة الانفصال عن المحيط، والإصابة المؤكدة بعلة النسيان.

كاتب مغربي

15