بلاغة السرد والسرد المكتنز في رواية "كولومينا"

تقع رواية "كولومينا"، التي استوحى مؤلفها محمد النعمة بيروك عنوانها من الحي الأسباني العتيق بمدينة العيون المغربية، في حوالي 159 صفحة، ونالت المرتبة الأولى في المسابقة التي نظّمتها مؤسسة عبدالقادر الحسيني الثقافية بمصر عام 2014. وسنعمل على توجيه بعض أشعة النور إلى مكامن الجمال الأدبي فيها، للكشف عن بعض تجليات بلاغة صورها السردية، ومكامن السرد المكتنز باعتباره مفتاحا هاما من مفاتيح النقد الثقافي، حسب تعبير الناقد أيمن بكر.
الجمعة 2015/09/04
الصور السردية تتوغل عميقا للكشف عن حالات من التناقض الصارخ

لا تنفك بلاغة السرد عن الصور السردية التي تمنح رواية “كولومينا”، للكاتب محمد النعمة بيروك، باعتبارها نصا مكتوبا أن تضفي “من الجاذبية ما يجعل أثرها يفوق أحيانا الكلام (الشفهي المرسل)، وذلك بتعددية دلالاتها وانغراسها في المتخيل الرمزي والاجتماعي، وهي تستحضر الغائب وتعينه”، كما في الصورة السردية التي استثمرت بلاغة التشبيه، كي تستدعي الغائب الكريه/ الاستعمار الأسباني، وتشبِّه كراهية “منازله” بكراهية كلتوم لصفات ذاتها المبخسة نتيجة الاغتصاب والفقر.

شيء من التناقض

يقول السارد “كم يشبهها هذا الحي، أو هكذا ترى، ومع ذلك تكرهه، لأنها تكره نفسها. كل الصفات التي يحملها هذا الحي بغيضة: دور قصيرة كقامتها، متراصة ومتشابهة كأيامها، ضيقة كصدرها، مغبرة حزينة كنفسيتها..”.

غير أن حالة السكون التي تخيم على “أجواء” هذه الصورة، ستتحول إلى حالة من الحركة عندما ينتقل السارد إلى وصف انتشاء كلثوم بالأغنية الأسبانية “قبلة ووردة”، إذ “تذوب في لحنها العميق الذي يذكرها بطفولة ما قبل الواقعة. تذكرها هذه الأغنية بكل شيء فارقها ولم يعد”؛ أخوها المغترب، خطيبها المطرود، الراحلة أمها.

لقد كشفت بلاغة هاتين الصورتين السرديتين عن شيء من التناقض الذي يكتنف نفس كلتوم، فهي، على غرار شخصيات أخرى في الرواية، لا تحمل ودّا للتاريخ الاستعماري الأسباني، وتكره ما تركه من بنيان يذكر به، لكنها في الوقت نفسه، تطرب لأغانيه، وتتكلم بعض كلمات لغته، لكنها لا تحلم بالانتقال إلى جنته الموعودة كما فعل شقيقها محفوظ المهاجر السري الهارب من شظف العيش، بل إن غاية ما تتمناه ليس “أكثر من هروب شرعي إلى كنف رجل”، وهي أمنية مكتنزة بتمثلات ترتدّ إلى بيئة اجتماعية رسخت فكرة يختزلها المثل الحساني “عوْجه ولا عوْزه”.

وتتوغل الصور السردية عميقا للكشف عن حالات من التناقض الصارخ الذي يبلغ حدّ النفاق الاجتماعي، فالأب يتأفف من سماع ابنته الموسيقى، بينما يطرب لها في خلواته مع المطلقات اللاتي يؤانسهن “على وقع صبّ الشاي وأنغام المطربة كبّارة…”، والشاب “الدحّة الإخواني” يحارب في العلن المشعوذ “عمار الحجّاب”، لكننا نكتشف قصده الباطن عندما يحرر “أم السعد” من قبضة المشعوذ من أجل أن يتزوج منها، وكلتوم تصلي خلف أبيها، وهي حائض، خوفا أو استحياء من مصارحته.

تحت سطح النص تقبع أبعاد ثقافية كاستصحاب أهل الصحراء لحالة البداوة، حيث ندرة توفر رسوم للملكية

لقد جعلت الصور السردية من “كولومينا” نموذجا “للحكي المركب” الذي يتجاوز حسب جمال بندحمان “التصنيفات الخطية التي تمنح الرواية هبةَ الحكي، والشعرَ هبة الخيال، والمسرحيةَ هبة الحوار”، إذ تظلل شعريةُ الحكي بعض سياقات هذا النص الروائي، وذلك من قبيل هذا المقتبس “مجانين هذا الحي لم يتركوه. لا يتعدون حدوده كأسماك في بركة. حتى قطط وجرذان كولومينا تجد مأوى آمنا”.

وتجدر الإشادة بما أسبغته من جمال على الرواية الأمثالُ والأقوالُ المسكوكة، فقد تقصّد الناصُّ الإشارة مثلا إلى الجمال الأصيل الذي لا يتغير “اللي زين زين، يسوا يغمس فالطين”، كما أورد القول الشائع “زوجة أحبها خير من حبيبة أتزوجها”، كي يلمز من يعتبر العشيقة موضوع نزوة عابرة، والزوجة موضوع رباط مقدس، ويستجيب للرغبات اللاواعية التي اعتبرها لطيف زيتوني مصدر الغواية حيث قال “فالمرأة ليست مغوية، بل المغوي هو لا وعي الرجل الحافل بالرغبات”.

وغير خاف أن نتيجة هذا الاستنتاج تنطبق على صورة الإغواء التي يرسمها المقطع الآتي “لكنها رأت اللؤم، وكأنها تفترضه في عينيه المطلتين من المرآة المقابلة كعيني ذئب، قبل أن يلتفت إليها في حركة لا تخلو من تهور. يضع كفه على ركبتها، فتزيحها بسرعة”.

لقد شبه السارد المتحرش بالذئب بما تحمله صورته في المتخيل الاجتماعي من جوع دائم وغدر “أسرع من غدرة الذئب”، وهي أوصاف كافية للدلالة على التربص بالضحية “نظر إليها بعيني ذئب” قبل الشروع في الفتك بها (المراودة/ وضع الكف على الركبة).

مرآة للبعد الثقافي

السرد المكتنز

نقتبس من الناقد أيمن بكر مفهوم “السرد المكتنز” بوصفه مصطلحا نقديا يتيح كما قال “إمكانية أن يتحرك التحليل السردي من النص إلى الواقع الثقافي الذي أنتجه”، وتعد رواية “كولومينا” مرآة عاكسة للكثير من الأبعاد الثقافية التي تختص بمجتمع الصحراء، ولا يمكن فهمها إلا في سياق بيئته الثقافية.

كان اكتساحه (حي كولومينا) من قبل الناس الذين لم تكن لديهم وثائق ملكية ورقية بقدر ما كانت لديهم الملكية بالهوية، مباشرة بعد انسحاب المستوطنين الأسبان منه، بعد ذلك بقليل اكتسح عرض كلثوم نفسها، بعد أن اعتدي عليها من قبل فقيه “صديق” لأبيها، وهي طفلة، فقدت عذريتها إلى الأبد.

تقبع تحت سطح النص أبعاد ثقافية مثل “استصحاب أهل الصحراء حالَ البداوة حيث ندرةُ التوافر على رسوم الملكية، إذ لا يكتب العقد العرفي إلا عند الاقتضاء كحالة النزاع بين القبائل على ترسيم حدود المجال، وقد طلب من أحد الأعيان الإدلاء بعقد ملكية أرض محل نزاع، فأجاب: لا نعرف إلا المزن، فحيثما أمطرت انتجعنا، وتملّكنا الأرض”.

لقد شكلت رواية “كولومينا” مرآة للبعد الثقافي لكثير من الانطباعات والأحكام كالموقف المزدري للنحافة في مقابل إعلاء شأن السمنة التي تعدّ ميسما هاما من مياسم جمال المرأة الصحراوية.

14