بلاغة المغاربة

الخميس 2015/10/15

لا يعجبني النقاش الذي يثار في المغرب والجزائر بين الفينة والأخرى حول مكانة اللغة الدارجة، ولا أنخرط في مثل هذا السجال العقيم والذي ليس أكثر من تغاب واستغباء وضحك على الذقون. ثمة قاعدة مشهورة تقول، الواقع لا يرتفع. لذلك، نرى معظم المتعلمين يفضل الكلام اليومي بالدارجة لأنها أكثر ارتباطا بالمجال الحسي، ولا مشكلة؛ ونرى غير المتعلمين يفضلون الاستماع إلى معلق كرة القدم باللغة العربية الفصحى لأنها أكثر بلاغة وإثارة للحماسة، ولا مشكلة؛ ونرى القضاة يستجوبون المتهمين باللهجة الدارجة لكنهم لا يصدرون أحكامهم إلاّ باللغة العربية الفصحى توخيا للدقة، ولا مشكلة؛ ونرى بعض المدرسين يفضل التواصل بالدارجة لكنه ينطق المفاهيم الأساسية باللغة الفصحى، ولا مشكلة؛ ونرى العقود التجارية تُكتب إما بلغة شكسبير وإما بلغة موليير وإما بلغة الجاحظ، ولا تُكتب بلغة الشارع، لكن المفاوضات التجارية قد تتم بلغة الشارع، ولا مشكلة؛ وفي الأخير لا أحد يتصور إمكانية صياغة الدساتير والقوانين بالدارجة أو باللهجات المحلية، وهنا أيضا لا مشكلة.

غير أن قصدي من إثارة المسألة أن أبين بأن اللغة الدارجة تمتلك بالفعل نوعا من الـ”عبقرية” كما يردد دعاتها، لكنها “عبقرية” لا تظهر إلا حين نفكر فيها باللغة العربية الفصحى، ما يعني أن الدارجة لا تكشف عن بعض محاسنها إلا حين نفكر فيها بلغة ابن خلدون، وسأعطي أمثلة تكشف عن بعض أوجه “عبقرية” الدارجة المغربية:

“الشْقا” (الشقاء): يُستعمل هذا المصطلح في الدارجة المغربية للدلالة على أشغال البيت التي تقوم بها المرأة، وهو تعبير دال ومنصف في الأخير لأنه يعترف بحجم معاناة المرأة مع أشغال البيت، والتي هي صورة من صور الشقاء الإنساني.

“الكابوس”: يُستعمل هذا المصطلح في الدارجة المغربية للدلالة على المسدس. وإن كانت الكوابيس الليلية دليل رعب وشؤم في الثقافة الشعبية فإن “الكابوس” بالدلالة المغربية يحيل بالمثل إلى الدلالة على الرعب والشؤم وسوء الطالع.

“الزِيف”: مصطلح يستعمل للدلالة على حجاب الشعر الذي قد تستعمله المرأة “المحجبة”. ولعله تعبير دقيق يدل -ولو بنحو لا واع- على أن “الحجاب”، أي غطاء الرأس، قد لا يعدو أن يكون أكثر من زيف وخداع.

“التّاويل” (التأويل): هو مصطلح شائع الاستعمال، يقصد به المغاربة التعبير عن حالة سلوكية ووجودية ذات دلالات كثيفة ومكثفة؛ فهو يحيل إلى القدرة على إعمال العقل وحسن التنظيم والإتقان في العمل. لكنه يحيل أيضا إلى حسن العاقبة. حيث ثمة دعاء شائع يردده المغاربة يقولون فيه: “الله يْدير تَاويل الخير”، بمعنى “ندعو الله أن يجعل لنا تأويلا خيِّرا”. وهذا التعبير البلاغي المذهل يكشف عن أحد أوجه الحنكة البلاغية عند المغاربة، إذ يجعل الحياة تبدو كأنها نص كبير، كلماته الناس، وأما الحرية المتاحة لنا فإنها تكمن في هامش التأويل.

يقول هيدغر “اللغة مسكن الوجود”. فماذا يبقى لنا داخل هذا المسكن غير التأويل؟.. منتهى البلاغة.

24