بلاغة مع البغضاء

ظل طه حسين يضرب المتنبي بالكف ويعدل الطاقية. يشيد ويمتدح ويذم ويهجو. لكن اللغة التي أملاها على فريد شحادة، سكرتيره الذي يرافقه لكي يكتب ويقرأ له، تُعتبر بحق، وعلى الرغم من البغضاء، متعة لمتذوقي البلاغة والفصاحة وفنون النقد.
الأحد 2019/02/17
طه حسين يحشد القرائن للتشكيك في نسب المتنبي وعروبته

لم أتردد في تناول كتاب طه حسين “مع المتنبي” من أحد أرفف مكتبة “دار المعارف” المصرية. فقد قرأت مرارا عن إشكالية هذا الكتاب القديم ولم أطلع عليه، وعلمت أن إصداره في العام 1937 قد استحث نقدا مريرا لطه حسين، مع اتهام له بالانتحال أو السطو، من قبل أحد أهم معاصري الرجل، وهو د. محمود شاكر، صاحب الصولات دفاعا عن الثقافة العربية والتراث، في مواجهة التغريب. وكان شاكر قد أصدر قبل عام واحد، كتابا عن المتنبي، إحياء لذكرى مرور ألف سنة على مقتله. وقبلها بسنة واحدة، نشر المستشرق الفرنسي ريجيه بلاشير -من المغرب- دراسته الفذة بعنوان “شاعر عربي من القرن الرابع الهجري: أبوالطيب المتنبي”.

وأغلب الظن أن الكتابين استثارا طه حسين، فخصص وقت إجازته الصيفية في فرنسا، لكي يتأمل شعر المتنبي وفنه وسيرته، عازفا من باب المشاكسة -كما قال-عن الاستمتاع بنعيم الحياة وجمال الطبيعة في جبال الألب. فلم يكن طه حسين يحب الشاعر ولا يطيق صحبته، لكنه كما كتب، يتعمد أن يعاند نفسه ويأخذها من حين إلى حين، ببعض ما تكره من الأمور.. فـ”لست من المحبين للمتنبي ولا من الشغوفين بشخصه وفنه، لكنني أجد بأسا في أن أشق على نفسي أثناء الراحة، وأُثقل عليها حين تبغض الإثقال عليها!”.

كلام عجيب وغير مسبوق من حيث دوافع الكتاب والأدباء إلى التأليف. والمفارقة، أن طه حسين ظل ينقلب على نفسه، مع توالي مُخرجات التأمل لكل مرحلة من شعر المتنبي ومناسبات قصائده، على الرغم من البداية المُضنية التي بدأ بها، ولم يكن لها داع، إذ خصص عدة صفحات، يحشد القرائن للتشكيك في نسب المتنبي وعروبته والتأكيد على وضاعة أبيه.

وفي معظم السياق ظل طه حسين يضرب المتنبي بالكف ويعدل الطاقية. يشيد ويمتدح ويذم ويهجو. لكن اللغة التي أملاها على فريد شحادة، سكرتيره الذي يرافقه لكي يكتب ويقرأ له؛ تُعتبر بحق، وعلى الرغم من البغضاء، متعة لمتذوقي البلاغة والفصاحة وفنون النقد، وهذا في تقديري أكثر من كاف، لتعليل الاستمرار في إصدار الكتاب، منذ طبعته الأولى العام 1937!

ليت طه حسين، وكل من برعوا وأبدعوا في تفكيك حكايات الأقدمين وأعمالهم وتظهير صغائرها والتعرض لكل شاردة وواردة في سير حياتهم؛ قد فعلوا ذلك بالنسبة لتجارب الساسة وأولي الأمر في زمانهم من باب التحري عن سادتهم الحقيقيين ومصادر سلطاتهم، بدل البحث في ما إذا كان والد المتنبي، قبل ألف سنة، سَقاء وضيعا أم وجيها نبيلا في قومه!

24