بلاي ستيشن جديدة في سوريا

السبت 2015/10/03

من الصعب اعتبار إعلان الرئيس الأميركي باراك أوباما في مؤتمر قمة الإرهاب قبل أيام أن “هزيمة تنظيم داعش في سوريا تحتاج إلى قيادة جديدة”، و”أن بشار الأسد إذا ما تخلى عن الحكم فإن داعش سيذهب” صحوة، أو إيمانا واقتناعا وفهما جديدا وحاسما ونهائيا لحقيقة المأزق السوري وجذوره وصناعه وطرق علاجه.

فأميركا التي لم يغب عن فهمها شيء من الشؤون السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية لجميع الدول في العالم، الكبيرة والصغيرة، القريبة والبعيدة، لا يمكن أن تكون مخابراتها ووزاراتها وسفاراتها ومؤسساتها ومعاهد بحوثها ودراساتها وأقمارها وجواسيسها غافلون عما كان يجري في دولة مجاورة لإسرائيل، ومؤثرة على دول جوارها، وعلى المصالح الأميركية الإستراتيجية العليا في المنطقة.

ولمن لا يعلم ففي وزارة الخارجية الأميركية مكتب يسمى “DESK” لكل دولة من دول العالم، قاطبة، يتخصص بشؤونها ويتابع أمورها، ولا يتخذ الوزير أي قرار، ولا يدلي بأي تصريح، يتعلق بتلك الدولة إلا باستشارة مكتبها الخاص في الوزارة.

وتاريخ الدولة السورية، منذ انتهاء الانتداب الفرنسي عام 1946، وخروج بريطانيا من فلسطين، وقيام دولة إسرائيل عام 1948، يخبرنا بأن الولايات المتحدة الأميركية كانت حاضرة وفاعلة وراعية لأغلب الأحداث المفصلية في سوريا والمنطقة، دون جدال. ويخبرنا، أيضا بأنها كانت العراب الحقيقي لأول انقلاب عسكري في المنطقة العربية قام به حسني الزعيم عام 1949.

يقول الكاتب البريطاني جوناثان أوين في كتابه “أكرم الحوراني” “لقد تأكد حديثا، بعد السماح بنشر بعض الوثائق السرية، وبعد ما يقرب من أربعين عاما من انقلاب حسني الزعيم، تورط الولايات المتحدة في أول انقلاب عسكري في العالم العربي”.

فقد أبلغ السفير الأميركي في سوريا حكومته آنذاك بأن “الأوضاع ستأخذ أحد مجريين: إما احتمال قيام الانتهازيين قريبا بمساعدة السوفييت بانتفاضة دموية، وإما أن يسيطر الجيش على السلطة بمساعدة الأميركيين السرية، للمحافظة على النظام”.

ويقول المؤلف أيضا “وهكذا شرعت المفوضية الأميركية بالقيام بتشجيع الجيش السوري على القيام بانقلاب، من أجل الحفاظ على سوريا من الاختراق السوفييتي، وجلبها إلى طاولة السلام مع إسرائيل”.

و”استنادا إلى الوثائق السرية التي سمح بنشرها التقى حسني الزعيم مرات مع مسؤول في السفارة الأميركية، لمناقشة الانقلاب. وفي شهر مارس من عام 1949 تقدم حسني الزعيم بطلب المساعدة من الأميركيين للقيام بانقلابه”.

وفي ضوء هذه الحقائق لم يعد معقولا أن تكون أميركا توقفت عن مرافقة التطورات السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية في سوريا، ناهيك عن صناعتها وتدبيرها، وخاصة إقدام حافظ الأسد على تنفيذ ما أسماه بـ”الحركة التصحيحية” عام 1970، مؤسسّا إقطاعية آل الأسد التي قامت أساسا، ومن بدايتها، سياسيا وأمنيا وعسكريا واقتصاديا، على الدموية المطلقة، وعلى سياسة احتضان الفصائل المتطرفة (المقاومة) الهاربة من حكوماتها، أو استحداث الكتائب والعصابات الإرهابية، وحركات التكفير الإسلامية، واستخدامها في عمليات الخطف والاغتيال والحرق وقطع الأيدي والأرجل والألسن، لابتزاز السوريين والعرب والأجانب، وفرض نظامه عليهم بقوة السلاح.

فقد ألقى برفاقه في السجون المظلمة، دون محاكمة، إلى أن مات كثير منهم في غياهب السجون، ولاحق الهاربين منهم واغتال كثيرين منهم. ثم خاض حروبا تجويعية وتعطيشية وتدميرية ضد العراق، شعبا وحكومة، كرها بخصمه صدام حسين. ومارس كل ألوان التآمر والدس والوقيعة والإرهاب ضد الشعب اللبناني، واتخذ لبنان بوابته المشرعة لممارسة التهريب، وتدبير المؤامرات، وافتعال القلاقل ضد الدول العربية الأخرى، لا ضد إسرائيل، رغم خطابه المزايد عن المقاومة والتحرير.

وفي عهده سالت دماء كثيرة، سورية ولبنانية وفلسطينية، وارتكبت مجازر أبرزها مذبحة حماة (فبراير 1982) التي راح ضحيتها ما يقارب الـ40 ألفا، والمجزرة التي نفذها رفعت الأسد عام 1982، أيضا، في سجن تدمر، بعد تعرض شقيقه الرئيس لمحاولة اغتيال. وقد راح ضحية هذه المذبحة 1850 من المدنيين، في ساعات.

كما عامل ضيوفه السياسيين الهاربين من بلادهم إليه بأخلاق رئيس عصابة. فقد قتل منهم من لم يعد قادرا على تقديم المزيد لخدمته، وباع آخرين منهم وسلمهم لحكوماتهم، كما فعل بعبدالله أوجلان، وبعشرات اللاجئين الفلسطينيين والسعوديين والأردنيين والعراقيين والمصريين، حسب الحاجة والظروف.

ومنذ أول أيام سلطته وضع يده في يد إيران الخميني، رغم تناقض الهوية القومية العلمانية (المعلنة) للنظام السوري مع هوية نظام الخميني الدينية الطائفية المتشددة، وأصبح المتعهد الوحيد لتهريب السلاح و”المجاهدين” والخبراء لحزب الله، مسخرا سوريا معبرا آمنا لإيران الخميني إلى لبنان وفلسطين والعراق ودول الخليج العربية، وجاعلا من تحالفه مع إيران منجم ذهبه الدائم. فقد كان، وإلى أن مات، يقبض من إيران الكثير، ويقبض من عرب الخليج أكثر.

أما الشعب السوري فقد ازداد فقرا وحرمانا، وازداد شبيحة النظام ثراء وهيمنة وقوة.

وفي ضوء كل هذه الحقائق المعلنة، والأخرى غير المعلنة، لا يمكن أن يصدق أحد بأن الولايات المتحدة الأميركية لم تكن تعرف أن حافظ الأسد ومن بعده بشار، بتحالفهما مع إيران الخميني، هما أصل كل شر، وكل إرهاب، وكل دمار، لسوريا والمنطقة والعالم.

وليس معقولا أنها كانت غافلة عن حقيقة أن إرهاب النظام السوري والإيراني مسؤول، أكثر من غيره من الأسباب والدوافع والظروف، عن قدوم داعش إلى سوريا لمقاتلة المعارضة السورية، وليس النظام، على الأقل منذ إقدام معتمدها في العراق، نوري المالكي، على تهريب قادة المنظمات الإرهابية الإسلامية من سجن أبو غريب، وتسهيل عبورهم إلى سوريا.

خلاصة هذا المقال أن اكتشاف أوباما المتأخر لحقيقة أن رحيل بشار سيعجل برحيل داعش جميل ويجبر خواطر العرب والعجم، إلا أنه يظل هواء في شبك، وذلك لسبب بسيط، وهو أن باراك أوباما أغلق بنفسه على نفسه منافذ الفعل النافع في سوريا منذ أن كان في إمكانه أن يمنع دخول إيران وروسيا إليها بسهولة.

أما الآن وقد فهم الشبيح (العصابجي) فلاديمير بوتين شلل الرئيس الأميركي وعجزه إلا عن الكلام، فأرسل طائراته لقتل المعارضين السوريين، باسم محاربة داعش، يعينه على الأرض الوجود العسكري الإيراني، فلم يبق للرئيس أوباما كثير مما يمكن فعله، فالخرق كبير والرقعة صغيرة إلى حد البكاء.

ماذا يفعل؟ هل يفتح نيرانه على طائرات سوخوي أم يعطي المعارضين السوريين طائرات شبح وصواريخ ضد الطيران أم يلقي عليهم، من الأقمار الصناعية، علكة ومرطبات؟

أغلب الظن أن روسيا وإيران ستظلان تشعلان سوريا والعراق، عامين آخرين على الأقل، وأن المزيد من الدماء سوف يسيل، وألوفا جديدة ستهيم في البوادي، أو تغرق في البحار، وسيبقى داعش بلاي ستيشن، أو عصا المنافقين الدوليين الكبار والصغار، يهشون بها على أغنامهم، ويتوكؤون عليها، ولهم فيها مآرب أخرى.

كاتب عراقي

8