بلدان المهاترات

ويل لذلك الشحّ الذي امتُلئ مليارات ولم تشبعهم، ولم يتعلموا أن يكونوا أحرارا في دنياهم كما دعاهم سيدهم المبجل الشهيد بل ظلوا ينهبون ويسرقون والناس يئنّون.
الخميس 2018/08/23
العالم كي يستمر في العيش الكريم والرفاه السليم، لا بد أن يدرك ألّا يدمر البلدان غير الدعاة المخربين

حين لا تكون هناك إدارات حكيمة تملك رؤية، ولا تحاط زعاماتها بحشود من المهندسين البناة، والأطباء الثقات، ورجال المال والأعمال الدهاة، وأصحاب الرأي النحاة، والكتّاب والإعلاميين والتربويين المؤسسين للنواة، لتخريج أجيال سرعان ما ينبثّون في جسد الدولة وأحزمتها الفولاذية ويكونون معينها، فإن الدولة، أيّ دولة، تذهب إلى طريق المهاترات، وهذا ما نراه ونستشعره كل يوم هنا وهناك من خراب وحكايات فساد ينقلها الرواة.

وشعوب البلدان التي تحمل مشاعل الأمل بأن تنجز ما يبدد مشكلاتها وأزماتها، تعتمد على إدارات صالحة حكيمة تدرك قيمة استثمار المال، وبناء خير العيال، ورقي الأجيال.

لا يحتاج العالم العربي في فوضاه الحالية وضياع فرص النمو وتحسين مستوى العيش إلا إلى ثلاث: إدارات صالحة مقتدرة، وبناؤون يبددون صورة خراب الأمكنة، ورجال دين يجلسون في أماكنهم يُشيعون الفضيلة، ولا يتدخلون في السياسة، لأنها من صنائع المحترفين لا الهواة، ولا الدعاة.

العالم كي يستمر في العيش الكريم والرفاه السليم، لا بد أن يدرك ألّا يدمر البلدان غير الدعاة المخربين أصحاب الألسنة الطويلة واللحى الطويلة والأصوات العالية، الذين يجاهرون بالفضيلة ويسرقون مال العامة ويتسابقون على سلطة الرذيلة.

العالم بات أصغر مما يتصورون، فهم كل حين يُصورون، وتكشف الأستار عن أخبار جباية الأموال والاستحواذ على الملايين في وضح النهار بلا خوف أو وجل، لأنها نتاج الفوضى وثمار المهاترات، وضياع صوت الحق، وغياب حرمة المال العام.

مهاترات العامة الذين يصفقون ثم يتظاهرون ويعترضون ثم ينتخبون ذات الأسماء التي سامتهم المرّ، وجعلتهم على حافات الفقر، يقولون عنهم بالسر مساكين، ويطالبونهم بنخوة الدين، وهم عنه ليسوا بقريبين.

في عالم المهاترات، والأصوات التي تمرست بالكذب والخداع، في التلفاز والمذياع، وبنت القصور والجسور، وتعاملت مع المتظاهرين وكأنهم رعاع، فإن الحاكم الذي أتى من عمق المأساة وعاش الفقر والحاجة يتحول إلى وحش مفترس في سبيل المال، وتقلده الحواشي والعيال، وتذهب أموال العامة بين أتباع السلطة والأحزاب من أرباب الحجال.

هم يجاهرون باتباع الفضائل دون ورع من أبي الفضائل الذي يدعوهم محذرا “لا تطلب الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشحّ فيها باق، بل اطلب الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق”.

فويل لذلك الشحّ الذي امتُلئ مليارات ولم تشبعهم، ولم يتعلموا أن يكونوا أحرارا في دنياهم كما دعاهم سيدهم المبجل الشهيد بل ظلوا ينهبون ويسرقون والناس يئنّون.

24