بلدوزر إرهابي يجرف الإنسانية

السبت 2016/03/26

وكأن الفكر الإرهابي المتطرف يرسل رسالة مفادها أنه باق ويتمدد، ذلك مما يمكن استخلاصه من عمليات تضرب شرقا وغربا وتنال أرواح الأبرياء في تضاد تام بين الدين والإنسانية، إذ لا يوجد دين، يعطي رخصة قتل كما يتعامل بها المتطرفون بسهولة مفرطة تؤكد أن هناك سيولة عقدية تفسر وتحرّف النصوص دون أي كوابح عقلية بين ما يتم إضماره في النيات، والعمل به بوحشية من خلال التفجيرات والعمليات الانتحارية تحت سطوة الأوهام والزيف الديني الذي يريق الدماء ويغتال الأنفس.

تفجيرات العاصمة البلجيكية بروكسل تؤكد أننا أمام فجوة دينية واسعة وفكر شديد الانحراف عن مقاصد التدين الحقيقية والتسامح والتراحم وحفظ الأرواح وإنسانية الإنسان. ولنا أن نتخيل ذلك الذي يرتدي حزاما ناسفا يراقب حركة الناس في المطار بين مودع ومستقبل وهو يترصدهم ويتربصهم بالموت، ولكن تجفيف النفس من العواطف وتبلدها الحسي ابتدأ مع استهداف الراكعين والساجدين لربهم في المساجد، لذلك ينبغي ألا نستغرب أن يمتد العطش الدموي للمتطرفين إلى الأبرياء في أي موقع كان، دون تمييز وكأنهم بلدوزر يجرف الحياة بكل قسوة وعنت عقدي في عقول واهمة وغير ناضجة فكريا لاستبيان تداعيات أفعالها الوحشية.

كل ما حدث، وسيحدث، من إرهاب باسم الدين وانفعالات عقيمة تؤزم سماحته لدى الآخر، لا يخدم قضية ولا يصل إلى نتيجة، ولو أن أولئك الذين امتدوا بإرهابهم إلى الآخرين تمعنوا في الواقع الذي تم استهدافه بالموت على هذا النحو الغادر لوجدوا أن بلجيكا ثاني دولة أوروبية اعترفت بالإسلام وسمحت ببناء المساجد وفي وسط العاصمة، كما يوجد بها 400 معلم ومعلمة يدرسون التربية الإسلامية في مختلف المراحل، إضافة إلى أنها سمحت بالحجاب والنقاب وخصصت محاكم للأسرة وفق الإسلام وسمحت بتعليم اللغة العربية، وبها ثالث أكبر جالية مسلمة تعيش بحرية كاملة، والمثير أنها رفضت اعتبار الإسلام إرهابا وأعطت المسلمين إجازة في العيدين ولصلاة الجمعة وللحج، وفتحت قنوات وإذاعة إسلامية، وأنشأت مقابر ومدارس إسلامية، بل منحت المسلمين مناصب كبيرة كوزراء وسفراء.

لا شك بعد هذا العرض الموجز للدولة التي تم ترويعها، أن تطرأ في الذهن الكثير من علامات الاستفهام والتعجب حول ما يريد أن يوصله المتطرفون إلى شعوب العالم، وما الذي يريدون أن يصلوا إليه؟ فكل ما يفعلونه يسيء إلى مجتمعاتهم ويترك وراءهم بصمة غير إنسانية تعزز السلبي وتشوّش الإيجابي، وبذلك يصبحون هم الضحايا وليس من قضوا نتيجة إرهابهم، وبالتالي تبرز الحاجة إلى انتشال كل المغيبين والحالمين بالنصر الديني من خلال الدم والسلوكيات الإجرامية.

هناك حاجة ملحة للدخول إلى تلك العقول وتفريغها من الهراء الذي يتراكم فيها ويحرمها الحق في التفكير الصحيح وأن تكون في المستوى الإنساني السليم الذي يأمن فيه الآخرون، وأن يتمتعوا بحياتهم دون شدة وغلظة في تعاطيهم وتعاملهم مع غيرهم، فهم الضحايا الحقيقيون لأولئك الذين يقبعون في الظلام ويرسلونهم إلى الموت وهدر حيواتهم دون هدف حقيقي، وتوظيفهم لصالح مشروعات دينية فاسدة وغير مجدية روحيا ولا علاقة لها بحقيقة الإنسان الذي يتعامل مع الروح كأمانة، لذلك يبدأ الحل من ذلك الاختراق الفكري ونسف الأفكار التي تتدثر بالشعارات الدينية فهي أسوأ ما يمكن أن يفكر فيه إنسان، فذلك يجعله خارجا عن النطاقين الإنساني والديني وكائنا تائها وضائعا في هامش من القبح والتضليل.

كاتبة سعودية

9