بلدية العاصمة.. نقطة التحول المفصلية في تونس

هيمنة النهضة على الحكم المحلي ليس انتصارا لبراغماتيتها بقدر ما هو هزيمة مدوية لخصومها الذين اكتفوا بالشعارات ولم يخططوا لمواجهتها وفق خطة عقلانية طويلة المدى.
الأحد 2018/07/08
منصب محفوف بالتحديات

ربما نستمر في التهوين من التحولات السياسية التي تشهدها تونس فنقول إن فوز حركة النهضة الإسلامية ببلدية العاصمة تونس، رمز الحكم والثقافة، حادث عابر سيرتد عليها مثلما ارتد عليها فوزها في انتخابات 2011 الذي انتهى إلى إجبارها على ترك الحكم تحت ضغط الشارع.

يحتاج الأمر إلى مقاربة أكثر تدقيقا لما يجري، ذلك أن ما تحققه الحركة ذات الهوية الإخوانية من فتوح على أكثر من جبهة، وخاصة سيطرتها على الحكم المحلي يجعل من استدعاء خطاب التسخيف والانتقاص أمرا غير قيمة، خاصة أن هذا الخطاب هو الذي فتح أمامها أبواب الانتشار الأفقي وساعدها على التجذّر في المؤسسات السياسية، فضلا عن مجالات أخرى لا لاعب فيها سواها مثل الدعوي والخيري والكشفي.

ومن الواضح أن النهضة وجدت الملعب الواسع مفتوحا أمامها في ضوء انكفاء خصومها على الصراعات الداخلية، أو اكتفائهم بموقع الجلوس على الربوة والحفاظ على طهورية الأحزاب السرية التي لا تأمن إن تحركت قليلا أو فكرت بشكل مختلف أن تفقد أنصارها.

هيمنة النهضة على الحكم المحلي ليس انتصارا لبراغماتيتها بقدر ما هو هزيمة مدوية لخصومها الذين اكتفوا بمهاجمتها بالشعارات ولم يخططوا لمواجهتها وفق خطة عقلانية طويلة المدى تقوم على صراع الأفكار والمشاريع بعيدا عن التحشيد والتباكي على المكاسب وتضخيم حالة الهلاك.

إن السؤال الأهم ليس لماذا فازت النهضة بالانتخابات المحلية، وإنما لماذا فشل الآخرون في بناء توازن يحول دون تركها تتحرك بحرية تامة، وتعقد التحالفات وتجير المستقلين بشكل واسع لدعم قوائمها وتثبيت هيمنتها على البلديات.

ورغم أن النهضة نفسها تعترف بأن شعبيتها في تراجع بين الناس، إنْ بسبب توافقها مع النداء بما أفقدها جزءا من جمهورها التقليدي، أو بسبب فشل منظومة حكم ما بعد 2011 في تغيير واقع الناس، إلا أن الأحزاب والتكتلات والشخصيات التي تصنف نفسها كفاعلين مدنيين وحداثيين فشلت في أن توجد قوة متآلفة فكريا وسياسيا يمكن أن تساهم مستقبلا في الحد من نفوذ النهضة.

كان على الجميع أن يعرفوا من البداية أن بناء “جبهة الإنقاذ” في 2013 لمواجهة النهضة في 2014 كان خطوة جيدة لسبب رئيسي، وهو أن الثورات تقوم عادة وبشكل آلي بفرز اجتماعي على ضوء محددات بينها، وبشكل رئيسي، البعد الطبقي.

وفي ضوء تفسخ ملامح هذا المقوم المفصلي وارتهان القوى المستفيدة منه لمراكز نفوذ ومعارك هامشية كانت قشة النجاة بالنسبة إليها نقل الصراع مع الحركة ذات الأرضية الإخوانية إلى مجال الهوية في جانب الدفاع عن نموذج الدولة الوطنية الذي تأسس منذ الاستقلال في 1956 وتاليا عبر سلسلة من المشاريع والمكاسب القانونية على رأسها مجلة الأحوال الشخصية.

لكن تجربة “جبهة الإنقاذ” تراجعت لأنها لم تكن تهدف إلى بناء مشروع جامع لقوى وأحزاب ومنظمات تشترك في الحد الأدنى بل تم توظيفها لتحقيق مكاسب سياسية آنية، وتوقفت التجربة بوصول نداء تونس إلى الحكم والرئيس الباجي قائد السبسي إلى الرئاسة فيما استعجل البقية المكاسب.

وبسبب البحث عن المقابل السياسي دون تأخير، تفرق الحداثيون سريعا من حول نداء تونس وشكلوا أحزابا صغيرة وكتلا برلمانية ليظهروا أن الفضل يعود إليهم في هزيمة النهضة وحليفها الرئيس السابق المنصف المرزوقي، ولم يكلفوا أنفسهم عناء انتظار أن تتحقق معالم تلك “الهزيمة”، حتى أن نداء تونس الحزب الحاكم (نظريا) وجد نفسه مجبرا على التحالف مع خصمه النهضة لإدارة الحكومة ومؤسسات الدولة.

وطالما أن الحديث يجري الآن عن عودة بعض الشقوق التي خرجت على النداء، خاصة عودة محسن مرزوق الذي كان له دور مفصلي في بناء الجبهة المدنية المضادة للنهضة، فإن أي جبهة جديدة تتشكل مستقبلا تحتاج إلى أن تضع في اعتبارها أن الشارع الذي تم تحشيده للوقوف بوجه هيمنة النهضة في 2014 لن يكون بنفس الحماس، وقد لا يجدد الثقة في مجموعات انقلبت على وعودها وتحالفت مع النهضة بدل أن تكون خصمها.

وبالنتيجة فإن التصويت المفيد لمواجهة النهضة كما حدث في 2014 من الصعب أن يتكرر بنفس الحماس، وأن على الجبهة الجديدة أن تبحث عن مسوغات جديدة لبناء تحالفات جادة تكسب ثقة الناس حتى تتمكن من هزيمة النهضة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية للسنة المقبلة.

ويتحدث رضا بالحاج، أحد مهندسي بناء نداء تونس في 2013، عن مساع لتأسيس “كيان سياسي واسع وجامع، يهدف إلى إرجاع التوازن السياسي”. لكن هل يقدر أن يفصّل للناس الخلفيات السياسية والفكرية لهذا الكيان وفيم يختلف عن نداء تونس، وما الذي سيقنع الناس أن اللعبة القديمة لن تتكرر.

والأمر المهم هو التأكيد على أن المعركة القادمة مع حركة النهضة لا بد أن تكون معركة معنى ورؤية للمستقبل، وليس مجرد استجداء واستدرار العواطف الشعبية لخدمة أهداف شخصية أو حزبية.

وسيطرح فوز سعاد عبدالرحيم بمنصب شيخ مدينة تونس وكذلك ترؤس قرابة 40 امرأة ممثلة عن حركة النهضة بلديات أخرى، تحديات كبيرة على الجبهة الجديدة التي عليها أن تجيب على الأسئلة دون مواربة من نوع:

من كان أولى بترشيح امرأة لرئاسة البلدية الأكثر ثقلا، هل النهضة أم نداء تونس أم شقوقه، أم اليسار التونسي بتفريعاته المختلفة.

كيف يمكن إقناع الغرب بأن حركة النهضة تقف ضد قضايا المرأة، وهي التي تحقق الاختراق الأول في بلد عربي منفتح لكن قواه التقدمية والحداثية محافظة وتربأ بنفسها عن أن تبوئ المرأة منزلة متقدمة في مؤسسات الدولة لأن الحداثة لم تخترق بعد ثقافتها الذكورية.

السؤال الأهم ليس لماذا فازت النهضة بالانتخابات المحلية، وإنما لماذا فشل الآخرون في بناء توازن يحول دون تركها تتحرك بحرية تامة، وتعقد التحالفات وتجير المستقلين بشكل واسع لدعم قوائمها وتثبيت هيمنتها على البلديات

فكيف ستنجح هذه القوى في تعرية تناقضات النهضة والقول إن ترشيح سعاد عبدالرحيم مجرد مناورة للتغطية على ثقافتها التقليدية التي لا تؤمن بالمرأة. وحين تكون القوى المدنية متصالحة مع قيمها، فإنها تستطيع بيسر أن تجر الحركة الإسلامية التي تصدر المواقف والقرارات المتناقضة لتبدو تارة سلفية موغلة في المحافظة مثل موقفها من تقرير لجنة الحريات، وتارة أخرى سائرة على طريق “التونسة” والتخلص من الموروث الوافد.

إن الصورة ليست كارثية تماما، والنهضة التي تحقق النجاحات إنما يتيسر لها ذلك بسبب غياب طرف قوي يستطيع أن ينافسها فكريا وسياسيا ويجاري قدرتها على التكتيك والاستقطاب في ملاعب كانت غائبة عنها.

وليس ضروريا أن نعيد حالة الاستقطاب القديمة في 2014، إذ يمكن الاشتغال على تفعيل أقطاب أخرى في معركة إعادة التوازن، ودعوة اليسار التونسي بتفريعاته المختلفة إلى مغادرة حالة اليقين بحجمه المتضائل، واستعادة دوره في تحريك الملف الاجتماعي في أوضاع صعبة تعيشها تونس، وهي خطوة قد تساعد على استعادة ثقة الناس في مسار ما بعد ثورة 2011 بعد أن كشفت الانتخابات البلدية في 6 مايو الأخير عن مقاطعة واسعة تعكس اليأس من قدرة الطبقة السياسية على إحداث أي تغيير إيجابي.

المهم أن الجبهة التي تحتاجها تونس لإعادة التوازن مع حركة النهضة تحالف لاستقطاب التونسيين على أساس البرامج والحلول، وخاصة لتثبيت المشروع الوطني بمواجهة الاستهداف الممنهج ضده عبر أفكار وافدة. ولا تستهدف فقط استعادة السلطة أو تحييدها عن أيدي الإسلاميين بل فتح نقاش وطني حول نموذج المستقبل واستدراج الإسلاميين للاندماج فيه أو العزلة المجتمعية.

إن انحراف الصراع عن بعده العميق سيوفر للإسلاميين فرصة استدعاء خطاب المظلومية والاتكاء على نظرية المؤامرة لاستدرار العطف الشعبي في وقت تتسع فيه دائرة الثقة الشعبية في أن أحزاب ما بعد الثورة تتقن الكثير من الشعارات لكنها لا تحمل بدائل حقيقية للخروج من الأزمات. ولم يكن تراجع نسبة المشاركة في الانتخابات البلدية سوى دليل على صدمة التونسيين في الثوريين ومشاريعهم بما في ذلك حركة النهضة التي فقدت مئات الآلاف من ناخبيها بين 2014 و2018.

4