بلعيد عبدالسلام سياسي عاصر أخطر المراحل في تاريخ الجزائر

رحيل عبدالسلام يعتبر ضياعا جديدا لإحدى علب الأسرار المحيطة بمسار الجزائر المستقلة، فالرجل يعد أحد الشهود على سطوة صقور العسكر على مفاصل الدولة خلال العشرية الدموية.
الأحد 2020/08/09
أسرار الجزائر تُدفن تحت التراب

فقدت الأجيال الجزائرية التواقة لمعرفة تفاصيل مرحلة الاستقلال الوطني في الجزائر، مصدراً ثرياً وشاهداً مخضرماً على مختلف المراحل التي عاشتها البلاد في مختلف العقود، برحيل المناضل والوزير ورئيس الحكومة الأسبق بلعيد عبدالسلام، الذي اقترن اسمه بمرحلة الكبرياء البومديني، وبالعشرية الدموية وبالرعيل العسكري الذي زرعته فرنسا الاستعمارية في صفوف الثورة من أجل إجهاض الاستقلال الوطني.

رحيل عبدالسلام يعتبر ضياعا جديدا لإحدى علب الأسرار المحيطة بمسار الجزائر المستقلة، فالرجل الذي ارتبط بالحقبة البومدينية بتوجهاتها السياسية والأيديولوجية، ومواقفها القومية الجريئة، يعد أيضا أحد الشهود على سطوة صقور العسكر على مفاصل الدولة خلال العشرية الدموية. باعتبار أن وزير الدفاع هو من يعيّن ويقيل الوزراء والمسؤولين ويحدد حتى القرار الاقتصادي للبلاد.

مغامرة النفط الكبرى

تبقى شهادة الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، عن الثلاثي الجزائري الذي فاجأ العالم بقرار تأميم قطاع النفط في مطلع سبعينات القرن الماضي، أكبر اعتراف بدور وزير الصناعة آنذاك الراحل عبدالسلام، في القرار الذي طبخ بمعزل عن كل الدوائر الرسمية في البلاد، وأعلن عنه من طرف بومدين، في أكبر تحدٍ للجزائر المستقلة للفرنسيين.

وقد شكل وزير الصناعة عبدالسلام، ووزير الخارجية عبدالعزيز بوتفليقة، والرئيس بومدين حينها، النواة الصلبة للقرار التاريخي الذي أعاد السيادة الجزائرية على ثرواتها الباطنية والنفطية، حيث غامر هؤلاء بالقرار المذكور، رغم ما له من مخاطر وتداعيات بسبب حداثة الاستقلال ومحدودية الإمكانيات الفنية والكفاءات البشرية آنذاك.

مات بومدين في ظروف غامضة، واختفى الثنائي المتبقي، لأن السلطة الجديدة بقيادة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، شرعت فور تنصيبها في التخلص من رجالات بومدين ومن خطه السياسي الاشتراكي، ومن تركته الصناعية بدعوى الإصلاح والانفتاح الداخلي والخارجي، فاختار بوتفليقة المنفى الاختياري في عواصم عربية وأوروبية، وتوارى عبدالسلام عن الأضواء، وفي حلقه غصة بشأن التفكيك الممنهج للتركة الاقتصادية والصناعية البومدينية، بقيادة رئيس الحكومة الليبيرالي محمد عبدالغني.

شاءت الأقدار السياسية أن يعود الرجل إلى واجهة السلطة في ذروة الأزمة الدموية، كرئيس للحكومة من أجل مواجهة الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة آنذاك، وإذا اعتبره خصوم إلغاء الجيش للمسار الانتخابي الذي اكتسحه إسلاميو جبهة الإنقاذ في مطلع التسعينات، حليفا للسلطة الانقلابية بقيادة صقور الجيش آنذاك، فإنه كان الضحية الأولى لهؤلاء الصقور الذين أخرجوه من الباب الضيق لاختلافات في الرؤى السياسية والاقتصادية.

اقتصاد الحرب

شعار "اقتصاد الحرب" يعود إطلاقه لعبدالسلام الذي شرع منذ البداية في إصلاحات عميقة، للتحكم في ثروات البلاد والنأي بها عن مخالب صندوق النقد الدولي

وإذا كان عبدالسلام قد رفع آنذاك شعار “اقتصاد الحرب”، وشرع في إصلاحات عميقة، للتحكم في ثروات البلاد والنأي بها عن مخالب صندوق النقد الدولي، فإن المسحة الاشتراكية الموروثة عن الرصيد الاشتراكي والبومديني، لم ترض الفاعلين الحقيقيين في السلطة، وهم الجنرالات الأقوياء آنذاك، على غرار وزير الدفاع خالد نزار، ومحمد تواتي، ومحمد العماري و”توفيق” الذين أرغموه على الاستقالة، من أجل استكمال مسار سياسي واقتصادي كانت إيحاءاته تأتي من باريس.

ثمن الانتماء

وكشف الراحل عبدالسلام في مذكراته، تفاصيل المشهد الجزائري آنذاك، خاصة لما كان وزير الدفاع خالد نزار، هو الحاكم الفعلي للبلاد، فهو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، قبل رئيس الدولة وقبل رئيس الحكومة، وشرح فيها كيف تمت تبرئة رئيس الدولة آنذاك علي كافي، من قرار إقالة رئيس الحكومة، واعترافه بوقوف الجنرال خالد نزار وراء القرار.

يقول متابعون للشأن الجزائري ولمسيرة الرجل من النضال الثوري إلى دواليب السلطة، بأنه مهما كان ذكره في مذكراته حول العداوة التي كانت تجمعه بـ”ضباط فرنسا” أي الرعيل العسكري الذي زرعته فرنسا في صفوف الثورة في الأنفاس الأخيرة لحرب التحرير من أجل الالتفاف على الاستقلال الجزائري، فقد كان صاحب نفوذ قوي في حكومات بومدين، والأخير هو من استقدم “ضباط فرنسا” إلى مفاصل الدولة للاستعانة بهم في لجم المعارضة السياسية وفي إدارة شؤون البلاد، ورضي بشغل منصب رئاسة الحكومة في منتصف التسعينات وهو يدري أن الرعيل المذكور هو الفاعل الحقيقي في السلطة آنذاك، وهو صاحب المغامرة السياسية التي أدخلت البلاد في حمام الدماء.

ومع ذلك تبقى الخلفية والمرجعية التاريخية، هي الفارق الأبرز وأحد أسباب الصراع على السلطة في الجزائر منذ الاستقلال إلى الآن، ويبقى عبدالسلام، أحد رموز النضال الثوري، الذي يحمل عقيدة ومرجعية قومية، بينما يمثل التيار الموالي لفرنسا الثورة المضادة برأي الباحث والمؤرخ محمد عباس، وعلى رأس هؤلاء ما يعرف بـ”ضباط فرنسا”.

تجربة عبدالسلام في رئاسة الحكومة، يبدو أنها كشفت له الكثير من الحقائق التي تفسّر الواقع السياسي الجزائري الحالي، لاسيما العلاقات المتشابكة بين رؤوس وأذرع المنظومة السياسية الموالية لفرنسا.
تجربة عبدالسلام في رئاسة الحكومة، يبدو أنها كشفت له الكثير من الحقائق التي تفسّر الواقع السياسي الجزائري الحالي، لاسيما العلاقات المتشابكة بين رؤوس وأذرع المنظومة السياسية الموالية لفرنسا.

ويبدو أن المرحلة التي قضاها الرجل في رئاسة الحكومة، قد كشفت له الكثير من الحقائق، لاسيما العلاقات المتشابكة بين رؤوس وأذرع المنظومة السياسية الموالية لفرنسا، حيث كان يمثل رجل الأعمال البارز يسعد ربراب، ذراعها المالية المحاطة بالحماية والرعاية من طرف هؤلاء الجنرالات. وأبرز ذلك في مذكراته، حين أراد إدراج إصلاحات مالية وجبائية في المنظومة المالية والجبائية، إلا أنه اصطدم منذ البداية بتهرب رجل الأعمال المذكور من دفع المستحقات المترتبة عليه، بدعم من الجنرالات الفاعلين، الذين فتحوا أمامه كل أبواب الاستثمار والصناعة ووضعوا البنوك والإدارة تحت إمرته بدعوى دعم القطاع الخاص.

قال أيضاً “التقيت رئيس الدولة علي كافي، بفيلا على الشاطئ ببرج الكيفان، عشية عزلي من منصب رئيس الحكومة، وكان برفقته الجنرال خالد نزار، فما إن بادرت بالسؤال عن السبب الحقيقي لتنحيتي، حتى أشار سي علي باتجاه نزار، قائلا: هو من أقالك أنا بريء، وكان نزار منغمسا في تناول بعض ماء الحياة، وزجاجة ويسكي بين يديه، فرد علي: أنت مُقال، يعني مُقال. وهو نصف واعٍ بما يقول”.

ويضيف عبدالسلام “دخل علي بمكتبي الحكومي الجنرال محمد تواتي، ذات يوم خريفي فقال لي: سي بلعيد قدمت للتو من فرنسا وقيل لي هناك لا شيء يبشر في الاقتصاد الجزائري ولابد أن تذهبوا إلى صندوق النقد الدولي، فرديت عليه بالقول: أنا أعلم بحال الاقتصاد الجزائري من باريس، وإذا كان عندك برنامج أحسن تفضل وخذ وزارة الاقتصاد، أما أنا فلا أذهب إلى صندوق النقد، لأنني لا أعتقد بأننا بحاجة لذلك”.

لم يمض وقت طويل حتى أقيل الرجل في 1993، وخلفه الراحل رضا مالك، على رأس الحكومة، ولم يقض أكثر من أسبوع في منصبه، حتى كان قد أكمل كل إجراءات توقيع الاتفاق النهائي مع صندوق النقد الدولي حيال إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني، وإعادة جدولة ديون البلد، مما أنهك الوضع أكثر ولم تتخلص منه إلا في منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة.

التكنوقراطي المقيّد

القليلون في الجزائر يعرفون أن عبدالسلام ينحدر من عائلة ميسورة الحال من القبائل الكبرى. ولم يتورّط في الفساد الذي أغرى الكثيرين ممن حكموا البلاد
القليلون في الجزائر يعرفون أن عبدالسلام ينحدر من عائلة ميسورة الحال من القبائل الكبرى. ولم يتورّط في الفساد الذي أغرى الكثيرين ممن حكموا البلاد

القليلون في الجزائر يعرفون أن عبدالسلام، ينحدر من عائلة ميسورة الحال من القبائل الكبرى، ولد في بلدة عين الكبيرة في محافظة سطيف شرقي العاصمة. بدأ نضاله مبكرا وهو شاب في الثانوية في صفوف حزب الشعب الجزائري، واعتقل أثناء أحداث الثامن ماي 1945، ثم ترأس من 1951 إلى 1953 جمعية الطلبة المسلمين لشمال أفريقيا بفرنسا.

عُيّن في اللجنة المركزية لحزب الشعب الجزائري، وكُلّف بفئة الطلبة، وكان من أنصار الاتجاه المركزي المعارض لمصالي الحاج، فاحتفظ بنفس المهام إثر مؤتمر أوت 1954، الذي أكد الانشقاق بين حزب الشعب الجزائري وإطلاق حركة انتصار الحريات الديمقراطية. التحق بجبهة التحرير الوطني، وساهم في تأسيس الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين في يوليو، وفي العام الموالي، عاد إلى الجزائر بغية الالتحاق بالمقاومة في الجبال وكذلك ليتأكد أن إضراب الطلبة عن الدروس والامتحانات متبع، لكنه لم يستطع ربط اتصالات مع قيادة جبهة التحرير الوطني فالتحق بالمغرب، وهناك تم اعتقاله من قبل المصالح الخاصة لبوصوف “جهاز استخبارات الثورة”.

أطلق سراح عبدالسلام سريعاً، وعُين كمكون في مدرسة إطارات الحزب. ثم استدعي إلى جانب وزير الثقافة للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية توفيق المدني ثم إلى جانب عبدالحميد مهري، وزير الشؤون الاجتماعية، حيث تولى تسيير المنح الدراسية، وبعد تربص في وزارة الداخلية التونسية، دخل مطلع الستينات في ديوان الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، برئاسة بن يوسف بن خدة.

وبدأت ملامح شخصيته وسلطته التكنوقراطية في البروز مباشرة بعد الاستقلال، من خلال قيادة الوفد الجزائري في المفاوضات الجزائرية الفرنسية حول ملف الطاقة، حتى قبل تعيينه كرئيس مدير عام لشركة سوناطراك النفطية، وهو ما سمح له بالعمل مباشرة مع الرئيس أحمد بن بلة، الذي كان يتابع عن كثب هذا الملف، ثم بومدين الذي كان قد تعرف عليه عبدالسلام في المغرب العام 1957.

وبعد الانقلاب الذي قاده بومدين ضد بن بلة، اقترح رئيس مجلس الثورة الجديد، منصب وزير الصناعة والطاقة على عبدالسلام، في أول حكومة له، بعد التغيير على هرم السلطة، وهو المنصب الذي استمر فيه الرجل مدة 12 سنة كاملة، عاصر خلالها العديد من المحطات الحاسمة في مسار قطاع النفط داخليا وخارجيا، وفي 1977 كلف بلعيد عبدالسلام بوزارة الصناعات الخفيفة.

وبعد وفاة الرئيس بومدين المفاجئ، ابتعد عبدالسلام بسرعة من السلطة، فلم يظهر اسمه في أول حكومة للرئيس الشاذلي بن جديد، ثم أبعد عن المكتب السياسي واللجنة المركزية، لجبهة التحرير الحاكم، رغم أنه كان يرأس لجنتها الاقتصادية، ومثل أمام لجنة التأديب للحزب، في إطار الحملة التي فتحت على رموز ورجالات نظام بومدين. وبعد انتفاضة أكتوبر العام 1988 عاد بلعيد عبدالسلام إلى الواجهة، مع مجموعة الـ18 من الشخصيات السياسية والتاريخية المعروفة، التي راسلت رئيس الجمهورية حول الأحداث وبعض تداعياتها كمسألة التعذيب. وبغيابه اليوم تُدفن معه أسرار هائلة من التاريخ السياسي الجزائري الذي يفسّر الحاضر وقد يرسم المستقبل.

8