بلوك

البلوك أشهر متلازمات وسائل التواصل الجماهيري وأسهل طرق الخصام والانقطاع والقطيعة العابرة للقارات.
الخميس 2019/11/14
أسهل الطرق.. البلوك

في الأفلام المصرية القديمة مسمّيات اختفت لأجهزة قائمة. «البوليس السياسي» الرهيب أصبح جهاز «أمن الدولة» الرهيب، وأما «بلوكات النظام» التي تحافظ على النظام وتواجه المتظاهرين وتقبض عليهم، فأوكلت مهامها إلى قوات الأمن المركزي. وظلت كلمة «بلوك» تطلق على أي كيان عمراني (بنايات)، وبشري (طابور عسكري) منضبط في محاذاة تخلو من النشاز، إلى أن صار «البلوك» من أشهر متلازمات وسائل التواصل الجماهيري، وأسهل طرق الخصام والانقطاع والقطيعة العابرة للقارات، ويعني طيّ صفحة إنسان وحظره ومحوه وإخفاءه وإهالة التراب الفضائي عليه. وكنت أظنني آخر من يدركه «بلوك»، فلم ألجأ إليه إطلاقا، حتى لو علّق أحمق بسباب شخصي في صفحتي الفيسبوكية على رأي كتبته ولم يعجبه، فأشفق عليه، وأترك قبحه عاريا من التعليق، وأرفع شعار «خليها تأكله»، أقصد ناره.

«البلوك» آلة دفاعية يستسهلها الضعيف الرافض لوجهة نظر لا تتفق معه، ولا يحتمل أن يرى غيره زوايا أخرى للأشياء والقضايا، فيميته بقرار انفعالي، وهو يحسب «البلوك» يريحه، وهذا حقه واختياره بالطبع، ومن حق آخرين أيضا أن يعتبروا «البلوك» سقوطا في اختبار مادة الديمقراطية. وحدث أن امتدحت سيدة ليست في قائمتي الفيسبوكية، واستحسن أصدقاء ما كتبت وأشادوا بالسيدة، باستثناء تعليق يراها «قدوة غير مستحبة». لوحقت صاحبة التعليق باتهام بالجهل والغرور، ونالني «بلوك». وتخيلت عودة الزمن، وإفراط رواد الليبرالية النخبوية في «البلوك»، فالرافعي الذي شوى عباس العقاد «على السفّود» لن يستخسر فيه «بلوك»، وتلاميذ العقاد جاهزون دائما.

في يونيو 1930، قال العقاد في البرلمان «إن هذا المجلس مستعد أن يسحق أكبر رأس في البلاد في سبيل صيانة الدستور وحمايته»، ثم هاجم الملك فؤاد في مقالات انتهت بمحاكمته بتهمة العيب في الذات الملكية، وسجن تسعة أشهر. ولكن الشاعر السماح عبدالله نشر في 4 أكتوبر مقالا في الأهرام عنوانه «العقاد الذي لا نعرفه»، مدعوما بمقالات للعقاد وصف فيها الملك فاروق بأنه «فيلسوف.. وطني غيور»، «من نصر الملك فقد نصر الحق ونصر الأمة، ومن تولى فعليه لعنة الحق ولعنة الأمة»، واستمر ذلك حتى قبيل ثورة 1952 فكتب بعدها أن «فاروق لم يسلم من مرض نفسي».

فلم يحتمل حواريو العقاد هذه «الحقيقة»، وكتبوا مقالات نارية لا تنكر «الوقائع»، ولا توضح سياقها التاريخي، واكتفوا بتوجيه نيران الذخيرة الحية إلى باحث يختلف مع مواقف للعقاد الرائد المجدد الرمز الخالد السلطان العظيم الذي لا يضره «الأنصاف الأدعياء».

في الأجواء الملغومة بأسلاك عارية احذر صعق الكهرباء، إلى أن يكرمنا الله باحتمال الديمقراطية، والاستغناء عن البلوك.

24