"بلوك تشين" بوابة تقنية لعالم من الابتكارات في فضاء الإنترنت

تحقق تقنية بلوك تشين انتشارًا في جميع أنحاء العالم مع ازدياد الحاجة إلى الثقة في مجال التكنولوجيا والأعمال والأمن المدني، وبدء ملامح تغيير أساليب قطاعات الأعمال بشكل قد تختفي معه العديد من الشركات حول العالم كشركات تحويل الأموال ما لم تركب الموجة وتكيف أعمالها مع ما يستجد من تقنيات.
السبت 2017/12/30
الأمان والثقة هما اهتمام العالم اليوم

لندن - يؤكد عدد من خبراء التكنولوجيا وتقنيات الاتصال أن العالم بصدد ثورة في عالم العملات الرقمية عمادها درجة الأمان العالية للتعاملات والوثائق، واللامركزية بإلغاء دور الوساطة والتركيز على التوثيق، وهو ما تمثله تقنية بلوك تشين التي من المرجح أن تؤثر على المؤسسات المصرفية والكيانات المالية العالمية.

وقالت جيمي سميث، رئيسة الاتصالات والتسويق في مجموعة “بيت فيري” المتخصصة في مجال التكنولوجيا والأعمال والأمن المدني “عندما تم اختراع الإنترنت، لم يكن توفير الأمن أولويَّة، وجميع البيانات مركزيَّة، ما يعني أنَّه إذا تمَّ اختراق إحداها فإنَّه يمكن الوصول إليها جميعاً، إلا أنَّ تقنية بلوك تشين توفر نظاماً غير مركزي، وبالتالي إذا تمَّ اختراق إحدى المجموعات فإنَّه لا يمكن اختراق المجموعات الأخرى في الوقت نفسه”.

وأضافت سميث “تعتمد هذه التقنية ببساطة على عنصر الأمان وتشفير الهويَّة، حيث تمكنك من الاتصال مباشرة بالطرف الآخر من دون الحاجة إلى المعالجة من أطراف وسيطة ومتعدِّدة، وبالتالي يتمكَّن المستخدم من إجراء العمليات بكل حريَّة ضمن منصة عامَّة آمنة”.

وتم ابتكار تقنية “سلسلة الكتل” Blockchain في عام 2008، وهي عبارة عن برنامج معلوماتي مُشفّر أشبه بسجل موحد للمعاملات على شبكة الإنترنت. فكل مجموعة من المعاملات مرتبطة بسلسلة، ما يمنح المشاركين صورة شاملة عن كل ما يحصل في المنظومة بأكملها. لتصبح بلوك تشين بمثابة ما يسمى دفتر الأستاذ، هو أحد السجلات المحاسبية الأساسية.

وأهم ما يميز تقنية بلوك تشين قدرتها على توفير الثقة حتى في مجالات قد تكون فيها الثقة صعبة.

ويعتمد أسلوب إدارة الأعمال التقليدي على المركزية في معظم الأحيان وحتمية وجود طرف ثالث في أي تعامل يسمح بإجراء المعاملة أو ضمان حدوثها. مثلا البنوك هي من يتحكم في قطاع تحويل الأموال لقاء رسوم محددة، فالبنك مثلا في هذه الحالة هو من يقوم بدور الطرف الثالث في المعاملة لضمان حدوثها وانتقال الأموال من المرسل إلى المرسل إليه.

2020 العام الذي ستبدأ فيه دبي العمل بتقنيات بلوك تشين بشكل كامل

ويستند مبدأ تقنية بلوك تشين على قيام العديد من الكمبيوترات في جميع أنحاء العالم بالتنافس للتحقق من المعاملات ومن أنَّ العمليات الحسابيَّة المنطقيَّة البرمجيَّة صحيحة، ومن يتمكَّن من حلِّها في أسرع وقت يحصل على 12.5 بيتكوين، ومن هذا المبدأ سيصبح الأمان حافزاً ودافعاً رئيسياً.

وتقود شركة “IBM” تحالفًا عالميًا من شركات تكنولوجيا المعلومات العالمية، منذ عدة سنوات، لوضع المعايير القياسية لهذه التقنية وتأمين الاستفادة القصوى منها، وفي نفس الوقت العمل على إيجاد منصات مفتوحة المصدر بما يتيح لشركات التكنولوجيا المزيد من الفرص لتطوير حلول وتطبيقات متنوعة بدون أن يكون هناك أي احتكار من جانب أي جهة وضمان التوسع في استخدام هذه التقنيات على كافة المستويات.

وتحقق بلوك تشين حاليًا انتشارًا في جميع أنحاء العالم، بحسب العديد من التقارير الدولية، وأعلنت مدينة دبي أنها ستكون من أولى المدن التي تعمل بتقنيات بلوك تشين بشكل كامل بحلول عام 2020. وقالت الشركة إن الأعوام القادمة ستشهد تطبيق التقنية على نطاق واسع.

ويقول أحمد عبدالقادر، المؤسس والرئيس التنفيذي لموقع البوابة العربية للأخبار التقنية، إن إفراط الإعلام في طبيعة تعاطيه الراهن مع مفهوم بلوك تشين هو أمر خاطئ وفي غير محلّه، تمامًا كما الإفراط في تجاهل ثورة العملات الرقمية وعلى رأسها البيتكوين في بداياتها الأولى، التي هي في الأصل أحد مخرجات سلسلة الكتل. ويرى عبدالقادر أن مخرجات هذه التقنية ستجتاح العالم بمختلف قطاعاته، لتطيح بإمبراطوريات عالمية وكيانات اقتصادية بارزة، فعرش أمازون الآن وأمثاله من الإمبراطوريات العالمية تهددها مشروعات واعدة بدأت تظهر على الساحة، حيث اتخذت من عنصر اللامركزية الذي توفره بلوك تشين نواةً لها، وسخّرت المخرجات الأخرى لهذه التقنية لإكمال التهديد.

ويضيف أن مشروع التجارة الإلكترونية العالمي الواعد “أوبن بازار“ الذي لا يزال في مراحله الأولى يشهد زخمًا لافتًا؛ فهو يلغي دور الوسيط الذي يقوم به أمازون حاليًا معلنًا عن حقبة جديدة للتجارة الإلكترونية المباشرة بين المشتري والبائع، عمادها بلوك تشين، من خلال عملتها المعتمدة رقميّا، وأمّنها التشفير العالي، وآلية إرسال واستلام الأموال في دقائق معدودة ودون مؤسسات مصرفية. ويشير إلى مشروع إعلامي عالمي واعد وهو مشروع سيفيل الذي يعتبر من أولى مبادرات الصحافة العالمية التي تتبنى تقنية بلوك تشين في الأوساط الإعلامية.

ويجزم الكثير من الباحثين والخبراء أن تقنية بلوك تشين ستكون بوابة عالم كبير من الابتكارات في فضاء الإنترنت من شأنها أن تزعزع وتغيّر أساليب قطاعات الأعمال بشكل قد تختفي معه العديد من الشركات في العالم -كشركات تحويل الأموال- ما لم تركب الموجة وتكيف أعمالها مع ما يستجد من تقنيات.

التقنية تعتمد على عنصر الأمان وتشفير الهويَّة

ويرى مايك شوارتز خبير تقنيات بلوك تشين “البنوك ليست وحدها هي التي أصبحت تتحكم في حياة الملايين من الناس وتقرر مصائرهم، فشركات الإنترنت -مثل فيسبوك وغيرها- أيضا أصبحت عبارة عن مستودعات هائلة للمعلومات الشخصية علنا وتتحكم فيها، هذه الشركات الوسيطة هي عبارة عن قلاع ضخمة تحدد لنا كيف نتعامل مع بعضنا البعض وتتدخل حتى في علاقاتنا الاجتماعية، في المقابل فإن استخدام تقنيات بلوك تشين سوف يجعلنا نتخلص من هذه المركزية البوليسية ويسمح لنا بأن نتبادل ما نريد دون الحاجة إلى الأخ الأكبر”.

تاريخيا وحتى الآن اعتمد البشر على مؤسسات كبرى لتأمين كل تبادلاتهم التي تحتاج إلى الضمان والثقة، فمثلا عقود تسجيل ملكية الأراضي والعقارات تكون في سجلات حكومية مركزية وصكوك الملكية في حوزة الأفراد، في أغلب بلدان العالم هذا النظام يعمل بشكل جيد ويكفل لكل ذي حق حقه، لكن ليس دائما، ففي حالات الحروب والنزاعات يتم أحيانا الاعتداء على حقوق الناس وانتزاع ملكياتهم منهم إما بالقوة وإما بالاحتيال، يقول دون تابسكوت “في هندوراس حصلت المئات من عمليات الاحتيال ونزع ملكية الأراضي من أصحابها الأصليين باستعمال نفس أجهزة الكومبيوتر التي من المفروض أن تضمن الملكية، امتلاك صكوك الملكية للأراضي أهم من امتلاك حساب بنكي للاقتصاد، لهذا بدأت العديد من الشركات والحكومات تسجّل ملكية الأراضي باستعمال تقنية بلوك تشين”.

ورغم كل المزايا التي تحققها التقنية لا يزال هناك تحفظ على استخدامها لما قد تسببه من تغيير في الأنظمة والقوانين وقد تؤدي إلى الاستغناء عن العديد من الشركات والمؤسسات الحكومية والخاصة.

18